×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
عبدالله بن كريم العطوي

مَن العدو؟!
عبدالله بن كريم العطوي

ربما يحلم المرء بعالم من الأناس أشبه بالملائكة ، بأن يخلو وجه الأرض من العداوات ، وهذه أمنية حلوة ولكنها ليست وفق مقتضى الواقع المؤار بالبغضاء والعداوات والعنف.

إنها فطرة الانسان الذي فطره الله عليها ، أن ينشد الأمان لنفسه أولا ثم لمحيطه المباشر ، ومنه إلى المحيط الأوسع الذي يعيش فيه . والانسان بالفطرة محب للأمان ، وحب البقاء هو المصدر الحقيقي لهذا الهاجس الأمني . والانسان رغم ايمانه بأنه فان لامحالة إلا أنه يسعى للمحافظة على البقاء ، وتذليل كافة الاحتمالات التي تهدد هذا البقاء.

إن تاريخ البشرية لم يمر بفترة طوباوية خالية من وجود العدو ، وفي بعض الأحيان يسعى الانسان إلى أن ينحت له عدوا من شجرة السلام ؛ حتى يبرهن أنه ناجح مستهدف.

مسألة العدو في حياة الانسان ليست حالة نفسية عدوانية بقدر ماهي حالة ثقافية معرفية ، وهذا ينطبق على العدو الجماعي أو المجتمعي أكثر منه على العدو الفردي.

وفي السياق الشرعي لا يوجد للمسلم عدو ثابت لا تتحول عداوته ولا تتبدل سوى عدو واحد أخبرنا به القرآن الكريم {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا }.

وعندما تتأمل مفردة ( العدو) في تصورات الأمم ترى تشابها مدهشا في أحكامها عنه ، وهو أمر يعود إلى سيادة بقايا الغريزة ، وعدم ارتقائها إلى مصاف العقل المجرد ، ورؤيته الثقافية المتسامية.

إننا نعيش مرحلة تاريخية أزماتها متتالية لدرجة أن المواطن العربي أصبح منشغلا بمعرفة العدو، الذي يجثم على صدر الأمة العربية ويجعلها تعيش في تقهقر دائم ، رغم أن العرب يمتلكون طاقات فكرية ورصيدا حضاريا وثقافيا مشهود له بالتفوق والتألق.

إن البحث عن العدو يجب أن ينطلق من داخل المجتمع ، بوصفه المجال الحيوي الجامع للعيش ، والتاريخ ، والآمال والتطلعات ، وبهذا يكون المجتمع هو القوى التي تواجه العدو ، سواء كان قائما من الخارج آو موجود بداخله.

إن تحديد العدو يعتمد على رصد العوامل التي تعيق تنظيم الشأن العام ، وتأمين الحقوق والواجبات، وضمان العدالة ، على أسس عقلانية ؛ لأنه في غياب احترام المواطن وحقوقه ، وحريته ، تتوافر الشروط لظهور (العدو) داخل المجتمع في شكل مواقف ، وسلوكيات ، وردود فعل سلبية ، رافضة للانتماء الواعي المسؤول عن الأمة وأهدافها.

إن ظاهرة التهميش ، والإقصاء ، والتفقير ، منتشرة في المجتمعات ونتيجة لها يأخذ العدو تجليات ولبوسات متعددة داخل المجتمع ، حيث يفرخ التنظيم الارهابي بين مختلف الطبقات ، والفئات و وتكثر العصابات ، وينتشر العنف بأشكال متنوعة ، ليفرض قوانين معادية للقانون العام.

وهذه الممارسات مجتمعة ستسهم في إماتت المجتمع المدني ، ومحي روح المسؤولية عند الفرد ، وتعمل على تفريخ اعداء بالقوة داخل المجتمع وبذلك فإن العدو الخارجي في تجلياته المتباينة يجد الطريق ممهد لكي يستقر بين جنبات المجتمع وفي نفوس المواطنين.

ولتذليل نفسية ( العدو ) يفترض كسر آلية إنتاجها الدائم ، فإزالة العداء الداخلي للسلطة يفترض شرعيتها التامة.

وازالة العداء في المجتمع يفترض ترقيته الدائمة روحيا وماديا. وإزالة العداء من العائلة يفترض إشراكها الحر والفعال في الحياة الاجتماعية والتربوية ؛ وإزالة العداء من الأفراد يفترض ترسيخ مسؤوليتهم تجاه النفس والمجتمع والدولة.

نحن اليوم لا نختار أعدائنا بل نصطدم بهم قسرا ، وهكذا لابد ان يسقط احد الطرفين صريعا . والمأزق أن المشكلة ليست هنا بل في أولى درجات العداوة تنشأ داخل الدائرة الواحدة لتؤدي ثانيا إلى انشطارات تبدأ ولا تنتهي ؛ العداوة اليوم مثل علم الأمراض المسمى واحد لكن المحتوى متعدد ومتباين ، وسريع التكاثر ، وأحيانا ينخر الجسد من الداخل.

والعداوة لها مشارب شتى الحسد ، الشماتة ، وتمني الأذى والفشل للآخر ، وإذا اشتدت العداوة تحولت إلى سلوك خارجي ، وإذا ارتفعت جرعتها إلى الكمية السامة تتحكم في السلوك فينطلق اللسان سبابا ، وهجرا ، وتمتد اليد بالاذى ، وهنا تكون الحرب التجلي الأعظم للعدوان ، لأنها تقوم على الكاملة للعدو بالتصفية الجسدية. ومن هنا كانت الحرب سيئة لأنها صراع الإرادات بحيث تخرج في النهاية إرادة واحدة مقابل تحطيم بقية الإرادات.

والقرآن حدد أن الوجود الانساني يقوم على المدافعة { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } ، ولكن هذا لايعني بالضرورة الحرب ، فكل التصنيف الانساني من ذكر وانثى ، وشعوب ، وقبائل ، مقصده الرئيس التعارف والاثراء ، وليس الحرب والإفناء.

إن في أعماق كل والد ومولود محبة للوجود ، وإذا كان الإخلاص للوجود يفترض محبته ، فإنه لا إخلاص بلا صدق ، كما إنه لا محبة بلا صدق ، إنها المعادلة التي تضعف نفسية العدوان ، وتذلل قدرتها على تركيب نموذجها في الحياة الاجتماعية.


عضو مجلس المنطقة
اللواء متقاعد : عبدالله بن كريم بن عطيه العطوي
بواسطة : عبدالله بن كريم العطوي
 55  0