×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
عبدالله بن كريم العطوي

مشكلة الفقر
عبدالله بن كريم العطوي

لقد عرفت الانسانية الفقر والفقراء منذ أزمنة ضاربة في أغوار التاريخ ، وحاولت الأديان والفلسفات منذ القدم أن تحل مشكلة الفقر وتخفف من عذاب الفقراء حينا عن طريق الوصايا والمواعظ والترقيب والترهيب ، وتارة عن طريق التحليق النظري في عالم مثالي لا تفاضل فيه ولا طبقات ولا فقر ولا حرمان . وهو عالم يرسم على صفحات الكتب لا على واقع الناس ، وأبرز مثل لذلك (جمهورية أفلاطون ،)قبل عدة قرون من ميلاد المسيح ، وطورا عن طريق حركات متطرفة تريد معالجة الانحراف الواقع بانحراف اشد منه* ،( كحركة مزدك )في بلاد فارس في القرن الخامس بعد الميلاد حيث دعت إلى شيوعية الأموال والنساء.

ولا شك بأن الفقر من أخطر الآفات وبخاصة الفقر المدقع الذي بجانبه غناء فاحش ، والاخطراذا كان الفقير هو الساعي الكادح والمترف هو المتبطل القاعد.

يكون الفقر حينئذ مدعاة للشك في حكمة التنظيم الالهي للرزق ، وهذا الانحراف العقدي الذي نشأ بسبب الفقر الناتج عن سوء التوزيع هو الذي جعل بعض السلف يقول " إذا ذهب الفقر إلى بلد قال له الكفر خذني معك " وقال صلى الله عليه وسلم : " كاد الفقر أن يكون كفرا " ، وإذا كان الفقر خطرا على الدين باعتباره عقيدة وايمانا فليس بأقل خطورة باعتباره خلقا وسلوكا فإن الفقير المحروم كثيرا مايدفعه بؤسه وحرمانه إلى سلوك لا ترضاه الفضيلة والخلق الكريم خصوصا إذا كان بجواره الطاعمون الناعمون ، ولهذا قالوا : " صوت المعدة أقوى من صوت الضمير " وبلاء الفقر وخطورته ليس مقصورة على الجانب الروحي والخلقي للانسان ، وانما يشمل كذلك الجانب الفكري منه فالفقير الذي لا يجد ضرورات الحياة وحاجاتها لنفسه وأهله وولده لايستطيع أن يفكر تفكير دقيقا ولاسيما إذا كان بجواره من تغص داره بالخيرات وتموج خزائنه بالذهب ، قال الإمام أبو حنيفة : " لا تستشير من ليس في بيته دقيق " لأنه مشتت الفكر مشغول البال فلايكون حكمه سديدا.

وفوق ذلك كله فالفقر خطر على أمن المجتمع وسلامته واستقرار أوضاعه وقد روى عن أبي ذر أنه قال :" عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه " وقد يصبر المرء إذا كان الفقر ناشئا عن قلة الموارد وكثرة الناس ، أما إذا نشأ عن سوء توزيع الثروة وبغى بعض الناس على بعض وترف أقلية المجتمع على حساب الأكثرية ، فهذا هو الفقر الذي يثير النفوس ويحدث الفتن والاضطراب ، ويقوض أركان المحبة والأخاء بين الناس.

ومادام في المجتمع أكواخ وقصور ، وسفوح وقمم ، وتخمة وفقر دم ، فإن الحقد والبغضاء يوقدان في القلوب نارا تأكل الأخضر واليابس وتتسع الشقه بين الميسورين الحال والمحرومين ، وتبدأ المبادئ الهدامة وتجد لها أوكارا بين ضحايا الفقر والحرمان والضياع . والفقر خطر على سيادة الأمة وحريتها وأمنها فالبائس المحتاج لا يجد في صدره حماس للدفاع عن وطنه والذود عن حرمات أمنه ، لأن وطنه لم يطعمه من جوع ،و أمته لم تمد له يد العون لتنتشله من وهدة الشقاء.

وإذا كان الفقر داء فإن الله جعل له دواء ، فإذا كان قدرا من الله فإن مقاومته والتحرر من ربقته قدر من الله أيضا ، وقد كان لابد للدين أن يهدي الانسانإلى الاعتدال في السعي إلى الغنى والاجمال في طلب الرزق . وبذلك يقيم التوازن في حياته ويمنحه السكينه التي هي سر السعادة ويجنبه الافراط والغلو الذي يرهق النفس والبدن معا .
وقد أعلن الاسلام الحرب على الفقر وشدد الحصار عليه وقعد له كل مرصد درء للخطر عن العقيدة والأخلاق والسلوك ، وحفظا للأسرة وصيانة للمجتمع وعملا على استقراره وتماسكه وسيادة روح الإخاء بين أبناءه ، لذا أوجب الاسلام أن يتحقق لكل فرد حياة لائقة يتوافر فيها حاجات المعيشة الضرورية من مأكل ومشرب وسكن وملبس ومستوى معيشة يعينه على القيام بأعباء الحياة ، ويحميه من أنياب الفاقه والتشرد والحرمان ، إن كان بالعمل ، أو كفالة الموسرين من الأقارب ، أو الزكاة ، أو خزينة الدولة و الصدقات الطوعية ، والاحسان الفردي.

وقد حث الاسلام على إغناء الفقراء بشتى الوسائل ، وإذا وجدت في ظل نظام الاسلام بعضالفقراء من على اية حال لا يكونون طبقة تسمى ( طبقة الفقراء ) حيث تدوم شروط الطبقية وتتوارث . وقوانين الاسلام وتقاليد أهله في مختلف العهود لا تقر الفقر على طائفة من المجتمع بحيث يتوارثه الابناء عن الآباء والأحفاد عن الأجداد ، كلا فالفقر في المجتمع الاسلامي ليس دائما ولا ثابتا بل هو رحالة ينتقل ويهاجر ويختفي ويزول نهائيا . والفقراء هم أفراد قد يكونون فقراء اليوم أغنياء غدا قال تعالى : " أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله "

لكن الفقير بعد هذا كله يتحمل جزء من مسؤولية بقائه معوزا وهو الاستكانة لأمر الفقر وكأنه قدر قاهر ، فمهما تعددت وتنوعت وكثرت وانتشرت أسباب الفقر فأسباب الغنى أكثر وأوفر وأسهل ، لو تعلم المحتاج حسن التوكل على الله وليس حسن التواكل على البشر وسعى المحتاج في الأرض بجد واخلاص وأمل كبير لايثنيه الاحباط وحياة الدعة والكسل ، الفقر ليس قدرا وليس بالظاهرة التي يمكن الباسها لبوس الحتمية .
الفقر كما الجهل والمرض سوس لعين ينخر في نخله الوطن الباسقة ، ومحاربة الفقر مسؤولية كبرى ، ونحن بوفرتنا الاستثنائية قادرون على تحقيق المدهش ، وقادرون على القضاء على الفقر عنوة وعمدا.

عضو مجلس المنطقة
اللواء متقاعد/ عبدالله بن كريم بن عطيه العطوي
بواسطة : عبدالله بن كريم العطوي
 5  0