×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
الدكتور مسعد العطوي

الراعية وجبل اللوز
الدكتور مسعد العطوي

الـــــــراعية وجبل الـلـوز

قلت للراعية: في اليوم التالي مباشرة ، لقد تأثرت بمحادثتك بالأمس ، لذا لم أبتعد وترقبتك حتى رأيت أثر شويهاتك ؛ فلحقت بكِ .
قالت: وأنت أثرت شجوني ؛ فغمرتني الذكريات .
قلت لها : فلما وصلتم البلقاء ؛ ماذا فعل أرباب القافلة ؟
قالت: ذهب جلهم إلى سوق الإبل، وهناك أشتروا وباعوا وذهب بعضهم إلى مصر بإبله ، وعادتهم أن يشتروا من البادية في صحراء سيناء حتى يبيعها في القاهرة ، ومنهم من طلب العمل في البلقاء أو فلسطين ، ومنهم من يعمل في الحصاد ، ثم يعود لبلاده.
قلت: وماذا فعلتِ في هذه الحياة الجديدة ؟
قالت: تلفتُ لعلي أجد جبالا شاهقا أعيش في شعابها وتلاعها، فلم أجد فأويت إلى شجيرات بجانب مزرعة ومكثت أياما ؛ ولكن صاحبها أرتاب مني فأخذ يراقب تصرفاتي ، بلا علم مني له ، وذات يوم وقف أمامي بحصانه ، وسألني لماذا أنتِ هنا.
فقلت له: أرعى بشويهاتي هنا.
فقال: أليس لك أهل.
قلت: لا ، ثم تركني بعد أن قذف إلي من خبز جميل يكفيني لأيام عديدة ، ولكن الرجل أخذ يتابع رقابته ، وإذا به في أحد الأيام يجلس قريبا مني وأنا أصلي .
فقالت: لو أنك أشعرتني بوجودك .
قال: إنني اختلس النظر لأعمالك منذ فترة ورأيت عبادتك ؛ فماذا أنتِ ؟
قالت له: من عباد الله كتب لي أن أعيش في هذه الأحوال ، وأنا سعيدة بالوحدة .
قال: أنا أبني لكي دارا صغيرة، وأرعى حالك، وحال غنيماتك .
قالت له: جزاك الله خيرا ، لكني لا أرغب في حياة مستقرة .
قال: أتركك تفكرين وولى فوق حصانه بعد.
فقلتُ لها: لعلك انجذبتِ لحياة التحضر .
قالت: إنما عزمت الارتحال إلى جبال الجزيرة وأوديتها حيث الخلوة متاحة، ومررت بوادي موسى، وجبال الشراة ، ثم وليت وجهي مع قوافل التي اتجهت إلى حسمى، ولكني ابتعدت عنهم أسير خلفهم عن بعد حتى لا يعرفون حالتي، ومضيت أياما قليلة مع طرق قوافل عن طريق الديسة، ثم علقان، ثم الزيتة ، وهناك وجدت بغيتي ففارقت القافلة، وهناك عوضت قرب الأنس بالوحدة والغربة ؛ حتى عادت حالتي الأولى، وخلال تنقلي البطيء عثرت على جبل طويل عريض تتخلله التلاع والشعاب، وبعض العيون ، وفيه التين البرى، واللوز، وأشجار أخرى استفدت منها ومكثت على قممه، وشعابه سنين عديدة ، ولكني أنجذب إلى مراقبة القوافل الآتية من الشام ، وفي قرب مرحلة العودة للقوافل اقتربت من مسيرها ، وقد أعجبني جبل مثلث القمم عاليا مشرفا، ومكثت فيه أياما ، ثم نزلت إلى الطريق، وشدني ماء يستسقي منه القوافل فدلفت إليه وإذا به قافلة قريبة من سمات قافلة (العقيلات) فقررت الاختفاء، ولكني أنظر إليهم؛ فإذا أحدهم هو صاحبي الحفيد لأحفادي الذي رأيته من قبل فآثار بي الذكريات ولكني تماسكت، وأخذت أرقبهم عن بعد ، ثم ارتحلوا .
وقالت: أرقبهم من الجبل المثلث فصعدتُ إليه، وأنا ألتفت إلى القافلة، وهي تبتعد فأطيل النظر فيها، وهي تسير في فج طويل حتى توارت خلف السراب، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أسير خلفهم حتى أدركني الليل، فبت وصليت ودعوت الله أن يهديني إلى ما يرضيه ، وفيه صلاح آخرتي وأهداني الله إلى البقاء وأخذت أرعى بجانب آبار قديمة، وذات يوم رأيت امرأة معها شويهات .
فقلت في نفسي: لعلها الصحبة فسلمت عليها فرحبت بي، وإذا بها كبيرة زاهدة يعتريها الآسي .
فقلت لها: أليس لك أولاد ؟
قالت: لقد استقروا جميعاً في هذه المقبرة.
وقلت لها: منذ متى؟
قالت العجوز: منذ تسعين عاما ، وإذا هي من جيل أحفادي، وصحبتها وعدنا إلى جبل اللوز فهي به خبيرة ، ولكن جفت عيونه البضة ، وذبلت أشجاره حتى اللوز والتين البري، وهاجر الناس إلى الكرك؛ فهي قريبه منه ، وأضحت الديار خالية علينا وفي أحد الأيام جاءنا كلب صيد يتلوى من الظمأ، فاسقيته ما معي، وبقي عندنا نتعهده نهاراً ويتعهدنا ليلاً ، ثم أخذ يصيد الأرانب ويأتي بها حية ، وكذلك صغار الصيد ، ونحن لا نبخل عليه بحصته ، ثم أشارت عليّ رفيقتي بالهجرة إلى (مقنا) وديار مدين لعلنا نستفيد من نخيلها ، ونحن نطل عليها من قمة جبل اللوز، فتنزلنا ببطيء مع منحدر الجبل حتى وصلنا إلى النخيل ، فإذا التمور جاهرة.
فقالت لصاحبتها: كيف الشراء ، ونحن لا نملك شيئاً ؟
فقالت صاحبتها: عندهم عادة ؛ فالتمر الذي مغلف بالأكياس يُمنع جنيه ، وأمّا الذي يسقط أرضا ، فهو مباح لمن يلتقطه، وكان أمثالنا من الملتقطين كثر ، وكنا نأوي بعدها إلى حجرات شعيب، فنستظل بظلالها، ونستكن بكنيها.
بواسطة : الدكتور مسعد العطوي
 1  0