×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
وليد الحارثي

فظاظة
وليد الحارثي


يبدو أنّ البشريّة تشهدُ انهيارًا أخلاقيًّا مدمّرًا، على كلّ الأصعدة الحياتيّة. فمنذ أعلن فلاسفة الغرب فكرة سيادة الإنسان على الأرض، وفكرة ولادة الإنسان المتفوّق (السّوبرمان) ، بدأ عصر الشّر البشريّ الأكبر يأخذ مكانه في النّفوس والأرواح.

لقد أخذت ذاتُ الإنسان تتفتحُ وتضخّمت معها النرجسيّة (Narcissism ). وكلّ ذلك أدّى إلى عبادة الذّات. ولعبادة الذّات في المجتمعات الحديثة صور وأشكالٌ مختلفة لا داعي لذكرها في هذا المضمار. ولا شكّ أنّ عبادة الذّات تعني فقدان الاتّجاه، والسير في مسار واحدٍ لا يرى فيه الفرد إلاّ مصالحه، وشهواته، وغروره، وكبرياءه.

عبادة الذّات -أيها السّادة- يمثّلها في مجتمعنا سلوك جديد اسمه: الفظاظة!

الفظاظة: في السّلوك، وفي القول، وفي الإيماءة، وفي الاتّصال مع الكائنات الأخرى.

الفظاظة شعار العصر الحديث. الفظاظة أيقونة الدّم النّازف في الطّرقات العمياء. الفظاظة منهاج حياة أولئك الشّباب الذين يقضون أيامهم في الشّوارع منطلقين على سجيّتهم، في إيذاء الآخرين، واعتبارهم كائناتٍ هامشيّة صغيرة.

الفظاظة تلقاك في العمل. في المكتب. في الشّارع. في تويتر وفيسبوك. مع الأصدقاء. مع أناسٍ تعرفهم أو لاتعرفهم. هل كُتب علينا أن نمارس هذه الفظاظة؟ وأن نحياها؟ هل كُتِب علينا أن نكون عنوانًا لها؟ هل كُتِب علينا أن نتجرّع سموم الآخرين ولَعَناتهم لنشعرهم أنّنا نرغب في العيش معهم بسلام؟

كتب أحدُ فلاسفة الغرب شيئًا عن الفظاظة فقال: إنّ الإنسان المعاصر شرّير. وربّما يكون من (أغلظ) المخلوقات على وجه الأرض. وتؤكّد بعض الدّراسات الحديثة في علم النّفس حول سلوك الإنسان المعاصر في الغرب (رغم تحضّر هذا الإنسان وإحاطته بهالاتٍ من الدّيموقراطيّة وحقوق الإنسان) أن المجتمعات الغربيّة مقبلة على أشكال متردّية من تجريد الإنسان من إنسانيّته وكرامته. وتلك لعمري أشدّ أنواع الفظاظة وأكثرها سوءًا!

وأتذكّر الآية الكريمة: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). [القلم: 4)، فأرى فيها منهاجًا للهداية وسبيلاً للرّشاد. ونقرأ في مكانٍ آخر من الذّكر الحكيم قول الله تعالى: (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). [آل عمران: 158]. ونخلص منها إلى أنّ القرآن الكريم هو الكتاب السّماويّ الوحيد الذي سبق علماء النّفس، وعلماء الاجتماع في الحديث عن الفظاظة، وسلوك الإنسان غير السّويّ الذي أعادت بعثه أدوات الإعلام الجديد.

وهناك أحاديث نبويّة شريفة كثيرة تتحدّث عن نبذ الفظاظة، والأخذ بالوسطيّة والرّحمة منها قول الرّسول عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ" (رواه مسلم).
بواسطة : وليد الحارثي
 1  0