×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
رهف تبوك

دمعة على خد جريح !
رهف تبوك

كنت إذا رأيته أحسست بأن الدنيا لا تزال بخير . قلب ينبض بالشفقة والرحمة والصدق والمحبة . وقد يكون بالنسبة لي " إنسان فوق العادة " ذلك شعوري بأني لم أبلغ رتبتة العالية في الإنسانية . فقلت له ذات يوم : ما يمنعك أن تتزوج وقد مضى على وفاة زوجتك عدة سنوات ؟ . فنظر إلي ولم يجب . ثم تناول عودا من حطب وأخذ ينبش به الأرض وكأنه يبحث عن جواب مدفون بين طيات التراب . وبعد حين إلتفت إلي وقال : هل تريد معرفة السبب ؟ قلت له : حسبتك نسيت السؤال !
قال : لا . ولكني كنت مترددا في الجواب . وبما أنك تلح علي في أمر الزواج , فلا بد وأن تسمع الحكاية من البداية إلى النهاية .
قلت : هات أسمع . فرمى العود بعيدا ثم قال : أشرقت شمس الصباح ذات يوم وإذا بي أنا وأختي نجلس في غرفة الأحزان .. غرفة كان سقفها يدلف علينا مطرا , وكأنه يغسل دموعنا لفراق القلب الحنون حيث توفيت والدتنا وتركتنا . ثم إن أبي تزوج إمرأة قاسية القلب داهية . فكانت تعاملنا معاملة سيئة . وكانت شديدة البأس على أختي فاستعبدتها . وكنت أشتكي لوالدي , لكن صوتي يذهب أدراج الرياح . لم آبه لما يحدث لي , لكني شديد الشفقة على أختي , فإحساسي بألمها ينسيني ألمي . كنت أرى فيها أمل الحب في الحياة , وأنها نسخة من أمي التي تذكرني بالعطف والحنان . وفي ليلة من ليالي الشتاء الباردة حيث الرعد والبرق والمطر ذهبت أختي لجلب بعض الأغراض من فناء البيت بعد أن تلقت صفعة بيد من حديد أحدثت جرحا في خدها فكان دمعها يختلط بدمها ... لم أستطع تحمل ذلك المشهد , فأمسكت حجرا فضربت به رأس المرأة .. وحين رأت الدم ينزف أخذت تصيح وتولول وتتوعد فقلت في نفسي : جربي الألم ولو مرة واحدة . وأنا أعلم أن العقاب سيأتي من والدي . لكن حدثا سيلقي بظلاله على المشهد ويجعلني خارج دائرة العقاب .. حيث نامت أختي تلك الليلة بملابس مبللة وهي ترتعد وبدون عشاء وكنت أسمع نحيبها من تحت الغطاء .. ولم يكن في مقدوري أن أفعل لها شيئا غير أن أشاركها النحيب . وفي الصباح ناديتها لأوقظها لكنها لم تجب . فرفعت الغطاء وحركتها فلم تتحرك , فأدركت أنها فارقت الحياة . فأخذتها في حضني وأنا أبكي وقلت : مات الحب يا أختي !
كاد ذلك الموقف أني يجعلني إنسانا مجرما.. وكنت أسأل نفسي حين فقدت في زوجة أبي كل معاني الانسانية : هل كل البشر على هذه الشاكلة ؟
وبعد وفاة أختي كرهت البيت وما حوى .. ولا أريد أي شيء يذكرني بما كان يجري على مسرحه من أحداث مؤلمة .. فكان أن شرحت الوضع إلى خالي , فأخذني إلى بيته وأنا أتوجس خيفة من كل إمرأة على وجه الأرض .. لكني وجدت إمرأة تستحق أن أقول لها يا أمي .. تلك هي زوجة خالي .. وكنت أعجب من معاملتها الحسنة لي حتى أنها تقدمنى على أولادها في كل شيء . فعلمت أنها عاشت طفولتها يتيمة الأم . لذلك كانت تشعر بمأساتي من واقع تجربة . فهل كان على زوجة أبي أن تعيش الحرمان لتعرف معنى الرحمة ؟
إنني يا عزيزي مررت بتجربة قاسية لن أجعلها تتكرر لبناتي .. وإني على استعداد أن أضحي بكل شيء من أجلهن حتى يكبرن ويتزوجن .. وبعدها لكل حادثة حديث .
أسدل صاحبي الستار على الفصل الأول من المأساة .. لكن هناك فصل آخر من فصول اللاإنسانية حين تتحطم براءة الطفولة على صخرة الأنانية واللامبالاة .
تخرج الطفلة من الباب مسرعة وهي تبكي وتتمسك بثوب أبيها وتقول له : يا بوي خذني معاك .. خذني لأمي .. ثم أخذت تشرح له مأساتها وما تلاقيه من أحفاد جدتها .
ومأساة الطفلة تكمن في أن والدها طلق أمها .. فتزوجت الأم رجلا رفض أن تكون الطفلة بصحبتها .. ثم إن الأب تزوج فرفضت زوجة الأب أن ترعى تلك الطفلة .
أين هي الرحمة .. أين هي الإنسانية .. في مثل هذه المواقف ؟
قال تعالى "فأمااليتيم فلا تقهر "
دمتم في رعاية الله رحماء
بواسطة : رهف تبوك
 13  0