انتقل إلى المحتوى

الاسلام وأزمة الفهم

الدين الإسلامي منهج حياه متكامل ولا يمكن أن يختزل في طقوس تعبديه . ولكن للأسف أصبح هناك حاجز بين الدين والحياة . أو أصبح هناك عدم فهم للدين , فنرى من يعزل العبادات الشعائرية عن العبادات التعاملية !!!
ونرى كيف انحصر الدين في المسجد . ونرى كيف أن المتدينون ابتعدوا بالإسلام عن الواقع .
نرى كيف يلتزم الشخص ويبقى على أخلاقه السابقة وثقافته السابقة فقط ما يتغير هو مظهره الخارجي.. ونرى انه في سن معينه يجب أن تصلي لان هذا يعتبر مظهر اجتماعي .
عندما قتل أهل العراق الحسين رضي الله عنه كانوا حريصين على أن يعرفوا هل دم البعوض نجس ام لا !!! وقد قال ابن عمر انظر الي هؤلاء يبيحون دم الحسين ويستفتون في دم البعوض
وعندما استنزف جهد العلماء في ازليه القران وتناسخ الارواح ظهرت طوائف كالصوفية وغيرها وتصف لنا الرسالة القشيريه حال اصحاب الكرامات الذين يطيرون في السماء وغيرها من الخرافات . فنتج الكهنوت الاسلامي حتى ان عابده كرابعه العدويه تقول ان الاستغفار لابد له من استغفار . فأصبح الدين طقوس تمارس وألفاظ تقال وانعزال عن الواقع .
وعندما ضاع منا المسجد الاقصى قمنا نبين الفرق بين مصطلح اليهودية ومصطلح الصهيونيه.
حتى أتى عصرنا الحديث وظهر على الساحة علماء يفصلون العبادة عن الحياة والإيمان عن السلوك !! عندما كانت العراق تضرب بالصواريخ كرسوا وقتهم لتبيان ما حكم شرب اللبن بعد ان تسقط به ذبابه .. هكذا كانت وماتزال سمه خطابهم منفصلة عن واقع ألامه ثم انهم لا يتحركون إلا اذا كان هناك شك في امور الاعتقاد او التعبد ..وهذا واجب طبعا ولكن
أليس من الواجب تبيان ان التغريب اثم .. أليست من الواجب تبيان ان البطالة اثم … وان إهدار المال العام أثم .. ألا يستدعي هذا منهم الحراك أيضا !!!
ولكن وللأسف الشديد اختزل الإسلام في حرمه الدخان والأغاني .. وفي اباحه التعدد .وفتاوى وخطب لا تلامس حال ألامه لا من قريب ولا من بعيد !!
فترى البعض يمارس الربا ويحرص كل الحرص على ان يشرب بيده اليمين وينكر بشده على من يخالف ذلك ترى البعض يتعدى على الاراضي بدون وجه حق ويحرص على ان يستفتي هل يفطر بلع الريق !! اصبحت النفوس تتبع الهوى وتحرم ما يناسبها ولا تكترث لما يخالف هواها .
وابتلينا بآخرين عاشوا في الاحلام وقد وجدوا ايضا مشايخ يرتمون بأحضانهم فاستقطبت القنوات مفسرو الاحلام ودرت عليهم الاموال !!!
بل زد على ذلك أن انتشرت ظاهره التائبين من المخدرات ليتقدموا الركب أي علم حصل عليه وقد قضى عمره في ملذات الحياة . نعم نفرح بتوبتهم ولكن لا نقدمهم ليقودوا ركب ألامه ونقصي من قضي عمره في قراءه كتاب الله وسنه نبيه .
وقد ظهر نجوم الفضائيات يتبعون فرق عده منها التنويري ومنها السلفي والسروري ومنها إلجامي وقد ابتلينا بجيل استمد تعاليم دينه من هذه المحطات . وهي تتبع ايديولوجيات معينه
حتى بات البعض وقد وجد نفسه تائها الهوية خاوي المعرفة لم يجد باب سوى الدعوة ولكن منهج الدعوة أيضا اختلف .. فانحصرت في كوميديا ومهرجانات بدعوى تحبيب الشباب في الإسلام .. وبعضهم انتهج الكذب لهذا السبب أيضا .
هذه كلها محاولات لتبسيط الدين من العامه ودمقرطته من الخاصة .
لابد ان يكون هناك حد ادني من المعرفه والعلم وان يكون العامه على معرفه كبيره بأمور دينهم
يقرؤون الكتاب والسنة وأمهات الكتب الاسلاميه , ولابد ان تمنهج التربيه في الاسره المسلمه بشكل صحيح وهذين العاملين هما اللذين تقوم عليهما الامم لا تجد عالم يتحدث ويحث عليهما فنريد الشعب جاهل في امور دينه حتى لا نفقد مكانتنا ربما هكذا هي الحكاية .
الم ينتبه هؤلاء ان الطفل المسلم يقرأ سبعه اسطر في السنه وانها والله لأعظم مصيبة ولكن نحن امه تهتم بالقشور فقط وتنسى المضمون
لابد لنا ان اردنا ان نعود ان نحذف الفترة الزمنية التي بيننا وبين عصر النبي صلى الله عليه وسلم بكل تداعياتها حتى نعود امه اسلاميه بحق .
والله من وراء القصد

النقاش

  1. لابد لنا ان اردنا ان نعود ان نحذف الفترة الزمنية التي بيننا وبين عصر النبي صلى الله عليه وسلم بكل تداعياتها حتى نعود امه اسلاميه بحق .

    إذن انت تريدنا ان نحذف عمر ابن عبدالعزيز وصلاح الدين الأيوبي والبخاري ومسلم وعمر المختار وابن باز ..!!

    اخي سلطان حدث العاقل بما يليق … فالعيب ليس في الاسلام انما العيب في المتسلقين والمتمسحين بهذا الدين العظيم ..

    الم تسمع ( ثلةٌ من الأولين وقليل من الأخرين) .

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    حياك الله اخي الفاضل سلطان الحويطي

    لقد قرات هذه المقالة بتمعن

    إن هذا الدين الذي شرفك الله به يا أخي! وذلك القرآن الذي أكرمني وأكرمك الله عز وجل به مسئولية عظيمة، فلا تظنن أنه منهج عبادة فحسب؛ بل هو في كل شيء، كما قال عز وجل: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل:89]، وقال تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام:38]. إذاً: حينما يقول لك أعداء الإسلام: دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر!! فقل لهم: كذبتم؛ بل لله ما في السماوات والأرض، وهذا الدين منهج حياة كاملة، وجاء هذا القرآن ليهدي البشرية إلى ما فيه صلاح دينها ودنياها، ولذلك أشرنا آنفاً كيف تطور العالم حينما أخذ بهذا الدين، فصار الجيش الإسلامي ينصر بالرعب مسيرة شهر، وكانت الحصون تتساقط وتندك حينما تقبل عليها جيوش الأمة الإسلامية التي هتافها: الله أكبر، ولله الحمد. فهذا الدين منهج حياة متكامل، نعمت به البشرية عبر القرون الماضية في ظل الدول الإسلامية التي تمسكت به، فكانت لها القيادة والسيادة والسلطة على العالم، وكان الناس يأتون إليها يبايعونها على الإسلام، ويدخلون في دين الله أفواجاً. فهو منهج حياة متكامل لا يفرق بين العبادة والمعاملة والسلوك والأخلاق، لا كما يقول العلمانيون عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة: إنما هو منهج عبادة فقط ولا يتدخل في شئون الحياة الأخرى؛ لا نظام الحكم، ولا الأنظمة الاقتصادية، ولا السلوك والأخلاق، ولا غير ذلك، إنما هو عبادة، فإذا أردت هذا الدين فعليك أن تبحث عنه في المسجد، وليس لك أن تبحث عنه في مجلس الشورى -كما يقولون- أو في البرلمان، أو في مجلس الأمة!! ويا ليتهم تركوا هذا الدين في المسجد غير مطارد! ولكنهم يطاردونه ويتابعونه في المسجد، وتحصى فيه أنفاس الدعاة والمصلحين في جل العالم الإسلامي. إذاً: هم لم يعطوه الحرية حتى في المسجد، ولو أعطوه الحرية في المسجد لاستطاع أن ينقل الناس من الركود إلى الخير والسعادة، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض، ولكنه سوف يحقق ذلك بإذن الله عز وجل رغم أنوف الحاقدين.
    لا فرق بين العبادات والمعاملات في دين الإسلام

    إن هذا القرآن منهج حياة، فكما أنه يأمر بالصلاة والصيام والحج والزكاة والعبادة، فهو أيضاً ينظم الحياة الاجتماعية وفق منهج قويم متماسك، حتى رأينا بعض الآيات لا تفرق بين العبادة وبين التعامل الأسري، اقرأ إن شئت في سورة البقرة حينما تحدث الله عز وجل عن العلاقات الزوجية ثم قال بعدها: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة:238-239]، ثم عاد مرة أخرى بعد أن أدخل آيات العبادات بين آيات التعامل بين أفراد الأسرة، فتحدث عن العلاقات مرة أخرى فقال سبحانه وتعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ [البقرة:240].
    إذاً: لا فرق بين آيات الصلاة وآيات المعاملة؛ بل إن هناك آية واحدة نزلت مرتين، فنزلت الآية التي في سورة المائدة تتحدث عن المحرمات، وهي قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:3]، هكذا نزلت الآية في أول الإسلام في بداية تشريع الأحكام، ثم نزل جزء آخر في حجة الوداع على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره يقرر حقوق الإنسان، قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3]، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر من الله عز وجل أن تشطر الآية السابقة وأن يدخل هذا الجزء في وسطها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فكان تتمة الآية: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:3].
    ومن هنا فإننا نتأكد أن القرآن ليس منهج عبادة فحسب، وليس في المسجد فقط، ولكنه في المسجد والسوق والبرلمان ومجلس الوزراء والمحكمة والبيت، وفي كل حالة من حالات الإنسان، فهو تبيان لكل شيء كما أخبر سبحانه وتعالى.
    إذاً: يا أخي الكريم! يجب أن نفهم هذه القضية؛ حتى لا نخدع في عصر الدعاية المسمومة، والأفكار المشبوهة، والحرب الباردة التي فشلت، ولكنها ما زالت تطارد المسلم في كل حالة من حالاته، وتريد منه أن يمرق وأن يخرج من دينه دين الإسلام، ولكن الله تعالى غالب على أمره.

    الحكم بما أنزل الله من دين الإسلام

    ثم أيضاً ! يجب أن تفهم أن الإسلام الذي شرع الصلاة هو الذي أمر بالحكم بما أنزل الله عز وجل، لا فرق بين واحد منهما، فكما أن الصلاة -وهي الركن الأعظم بعد الشهادتين- من تركها فقد كفر، فكذلك وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، لا فرق بين الأمرين.
    فهو منهج حكم لهذه الحياة وهذه الأمة لا يمكن أن تنضبط ولا يمكن أن تنقاد إلا لحكم الله عز وجل، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47]، ولما جاء أقوام يحكمون شرع الله حسب مصالحهم، فإذا تعارض مع مصالحهم ضربوا بشرع الله عرض الحائط، قال الله عز وجل فيهم: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور:48-50].

    أهل الأهواء والشهوات وموقفهم من أحكام الدين

    إن المارقين اليوم من الإسلام يرفضون هذا الدين حينما يتعارض مع مصالحهم؛ لأن أهواءهم ومصالحهم التي تمليها عليهم الأهواء لا تقف عند حد ولا قيد، فهم يرفضون هذا الدين وهذا المنهج إذا تعارض مع مصالحهم، ولكن إذا كانت مصلحتهم من خلال هذا المنهج فإنهم يرجعون إليه، وسوف أضرب لكم أمثلة كثيرة وربما أنكم تعايشون كثيراً منها: فالعالم اليوم بأسره -إلا من حكم شرع الله- يرفض قتل القاتل، ويقول: هذا تخلف ورجعية ووحشية أن نقتل قاتلاً لنضيف إلى المقتول الأول مقتولاً ثانياً، لكن تعال معي يا أخي! حينما يريدون أن يثبتوا عرشاً لأحد منهم فإنهم يقتلون مئات البشر؛ بل ملايين البشر! وكم قتل في الحرب العالمية الأولى والثانية من البشر! فإن الدول التي تزعم أنها متحضرة، وتعتبر قتل القاتل تخلفاً، وأعظمها الدولة الكبيرة التي تفرض الآن سلطتها على العالم، فإنها في لحظة واحدة -منذ عشرات السنين قبل أن يتطور هذا العالم ويتوسع- قتلت ثمانين ألفاً من البشر الأبرياء في لحظة واحدة بالقنبلة الذرية التي ألقيت على اليابان، حتى غيرت تلك القنبلة كثيراً من معالم تلك الأرض التي سقطت عليها، لماذا هذا؟ لأنهم يريدون أن يفرضوا سلطتهم، لكن لو قيل: هذا زانٍ محصن أفسد الأعراض، ودمر الحرث والنسل، والله عز وجل أمر بقتله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني.
    .
    ) فإنهم يقولون: هذه وحشية، رجل فرغ شهوة من شهواته فقط، أتقبل بهذه الطريقة؟! وإذا ارتد رجل عن دينه ونريد أن نقيم عليه حد الردة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)، ولكن لا أرى في العالم الإسلامي -اللهم إلا النادر القليل- من يقيم حد الردة، فلو قيل: هذا مرتد، لقيل: أنتم تحاربون الحرية الشخصية وحرية الاعتقاد، بينما هم يقتلون -كما ترون وتسمعون- الآن ملايين البشر، ففي أفغانستان وحدها قتل في أيام الحكم الشيوعي ما يقرب من مليونين من المسلمين، مع أن هؤلاء لم يزنِ منهم واحد، ولم يقتل، ولم يرتد عن دينه، ولكنهم يقولون: ربنا الله، فأبيد هؤلاء من أجل أن تفرض الشيوعية في بلادهم.
    فأي ذلك أعظم هذا أو قتل مرتد يريد أن يشوه هذا الدين بعد أن هداه الله عز وجل للفطرة، فأصبح حرباً على هذا الدين، وقد يكون من أبناء المسلمين؟! وبعد ذلك يقال: إن قتل هذا وحشية وتخلف، أما قتل الملايين من البشر في سبل أخرى غير سبيل هذا الدين فيعتبر تقدماً وتطوراً وإنسانية.
    وكذلك قطع يد السارق، فالله تعالى يقول: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة:38]، ويأتي ذلك الرجل الكافر الملحد ويقول: إن الله يريد أن نقطع أيدي الشعب!! وما علم ذلك الملحد أن هذه اليد التي تقطع سوف تؤمن الناس على نفوسهم وعلى أموالهم مدة طويلة من الزمن، حتى قال أحد الكتاب المسلمين: إن أربع أيد قطعت في العالم الإسلامي منذ بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى نهاية القرن الرابع الهجري، وفي العالم الإسلامي كله على امتداده من الصين شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً، وتصور يا أخي! الأربع الأيدي هذه كم أمنت العالم الإسلامي في أرجائه المتباعدة على نفسه وعلى ماله وعلى أعراضه، وهكذا فقس.

    دين الإسلام أمان للبشرية

    إذاً: نقول: هذا الدين هو أيضاً منهج أمنٍ لهذه الأمة، وحينما يجلد شارب الخمر إنما يحافظ على الأمن وعلى العقول، وحينما يجلد الزاني إنما يحافظ على الأعراض وعلى الأنساب، وحينما يجلد القاذف إنما يحافظ على السمعة، وحتى لا تكون الفاحشة ألعوبة يتحدث بها كل الناس بدون دليل، وحينما يقتل المرتد إنما يحافظ على المعتقدات حتى لا تتخذ لعبة، ولذلك فالإسلام يعطي غير المسلم حرية التفكير ليختار هذا الدين الجديد العظيم، لكنه حينما يدخل في هذا الإسلام ثم يريد أن يخرج منه نقول له: (من بدل دينه فاقتلوه).
    وهكذا نجد أن الإسلام يؤمن هذا الإنسان على حياته وعلى عقله وعلى جسده وعلى سمعته وعلى معتقده وعلى ماله، قال الله عز وجل: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة:33] إنما يريد الله عز وجل بذلك -والله أعلم بمراده- أن يؤمن هذه الأمة حتى تنطلق في هذه الأرض لا تخشى إلا الله عز وجل؛ ولذلك أمر بعقوبة المحاربين.
    .
    وهكذا.
    إن البشرية جميعاً بحاجة إلى هذا القرآن لتحكمه من أجل أن تأمن وتطمئن، والعالم الذي قدم أكثر من ثلاثين مليوناً من البشر في الحربين العالميتين يريد أن يؤمن نفسه، ومع ذلك لم يستطع أن يحقق لنفسه الأمن، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما دعا إلى هذا الدين في أرجاء هذا العالم إنما أراد الأمان لهذا العالم، ولذلك الله تعالى يقول: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا [النور:55]، وقوله تعالى: (فِي الأَرْضِ) أي: في كل الأرض، ولذلك يقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: جئنا ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وهو متوسد بردة له تحت الكعبة نائم، فأيقظه الصحابة رضي الله عنهم وقالوا: (يا رسول الله ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ -وهم يلقون ما يلقون من المشركين من الأذى- فجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: لقد كان يؤتى بالرجل ممن كان قبلكم، فيحفر له في الأرض، فيوضع المنشار على مفرق رأسه، فيقسم إلى قسمين، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه ما يصرفه ذلك عن دين الله، ووالله! ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).
    إذاً: الأمن جاء مع هذا الدين، والأمم التي تبحث عن الأمن في وسائل الدمار لم تحقق الأمن لنفسها ولا لغيرها، والأمم التي تريد أن ينام الناس على اللهو واللعب وعلى المحرمات من أجل أن يتخدروا لا تستطيع أن تكون آمنة؛ لأن هذه الشعوب لربما تستيقظ في ساعة من الزمن ولكن على الجماجم والأشلاء.
    فالأمن لا يتحقق إلا بتطبيق شرع الله عز وجل، وبتحكيم كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:179]، كان العرب يقولون في الجاهلية: القتل أنفى للقتل، وقال الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أي: سعادة، فلو كان هناك رجل معتدٍ وقاتل ومتمرد، فهذا يقتل، وحينئذ تتحقق الحياة، وتحقق الرفاهية والأمن والطمأنينة لهذه الأمة.

    لا يمكن تحقق الانضباط للأمم إلا بالإسلام

    وعلى هذا فنقول: إن هذه الأمة لا يمكن أن تنضبط إلا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يحكمها بغير شرع الله عز وجل فإنه سوف يحدث هذه الفوضى التي عمت أرجاء العالم اليوم، فأصبح التمرد والخروج على السلطات المنحرفة، والقتل والنهب والفوضى والاضطرابات، كلها بسبب إعراض هؤلاء الناس عن شرع الله عز وجل، ولذلك الله تعالى يقول: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:123-124]، وذكر الله تعالى هو القرآن، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124]، له معيشة ضنك في هذه الدنيا، ويوم القيامة يحشر أعمى، ويسحب على وجهه في النار، لماذا؟ لأنه أعرض عن ذكر الله عز وجل، ولذلك فإن المعيشة الضنك لا تحتاج إلى طويل بحث اليوم، ونحن نشاهدها في عالمنا اليوم قد عمت أرجاء العالم، فقامت الاضطرابات والفوضى والقتل والنهب والسلب، وهذا جزء من المعيشة الضنك، إضافة إلى ما صار يشعر به ذلك الإنسان البعيد عن الله عز وجل، وعن كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من ضيق النفس، والحرج والمشقة التي لا يجد لها علاجاً، ولكن علاجها: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]، أي: السعادة في الدنيا، والفلاح في الآخرة.

    الإسلام منهج سياسة

    إن هذا الدين منهج حكم، ومنهج حياة، ومنهج سياسة، وأي سياسة لا تقوم على هذا القرآن، ولا على هذا المنهج؛ فإنها سياسة ضالة، سياسة ممقوتة مرفوضة لا تصلح لقيادة هذه البشرية، ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حكم بأنها معيشة ضنك؛ حتى يعود الناس كلهم إلى دين الله، وإلى المنهج الصحيح، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله، وسنتي)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، ثم ألا إنها ستكون فتن، قالوا: فما المخرج منها يا رسول الله؟! فقال: كتاب الله، وسنتي)، فهذا هو المخرج من هذه الفتن التي يقول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: (يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
    فلو حكم الإسلام العالم كله لكان كل التعامل وفق شرع الله عز وجل كما جاء في القرآن العظيم، وفي سنة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، وما كان الناس يجدون الربا في بلادهم، ولا دور الربا التي أصبحت تناطح السحاب، وهي حرب لله عز وجل: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة:279] ثم التهديد وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:275].

    الإسلام منهج إعلام مفيد هادف

    ولو كان شرع الله يحكم هذا العالم ما رأينا هذا الإعلام الذي أصبح يصل إلى عقر بيوت المسلمين من خلال الأطباق المعلقة فوق المباني وغيرها لنرى زبالات ونفايات العالم.
    فلو كانت هناك خشية لله عز وجل، وكان هذا القرآن هو الذي يحكم هذا العالم؛ لما رأينا المسلم يختلط بالكافر في كل أمر من أموره حتى لا تكاد -في كثير من بلاد المسلمين- أن تفرق بين المرأة المسلمة والمرأة الكافرة، زوجة المسلم وزوجة الكافر لا تكاد أن تفرق بينهما في كثير من الأحيان؛ بسبب التبرج والخلاعة وما أشبه ذلك من الأمور التي أحدثت خللاً في أخلاق الناس، وانتشرت الفواحش، وتلاها ظهور أمراض أصبحت تسابق الشمس على مطالعها في هذه الأرض، حتى سمعنا أن ملايين البشر أصيبوا بمرض الإيدز الذي يعتبر هلاكاً للعالم لو انتشر، نسأل الله العافية والسلامة.
    وهذا بسبب ما أحدثه هؤلاء الناس، وبسبب ما أحدثه ذلك الإعلام المنحرف في بلاد المسلمين من الفساد والانحراف، كل ذلك يرجع إلى الإعراض عن هذا الشرف العظيم الذي يقول الله عز وجل فيه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ [الزخرف:44].
    وما يدريك يا أخي! لعلها المسئولية في الدنيا، والعقوبة التي دفع ثمنها كثير من المسلمين حينما تنكبوا عن شرع الله عز وجل.

    الإسلام منهج اقتصاد متكامل

    إن هذا القرآن منهج حياة في الاقتصاد، يعلمنا كيف نكسب المال؛ فلا نكسبه من الغش، ولا نكسبه من الربا: اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا [البقرة:278]، ولا نكسبه من الخداع، ولا نكسبه من أي طريق محرم.
    وحينما نملَّك هذا المال نعتبره نعمة من نعم الله عز وجل سوف نسأل عنه يوم القيامة، فنؤدي حق هذا المال في الإنفاق، فلا نسرف وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [الفرقان:67]، ثم نؤدي حقه من الزكاة وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35]، ثم أيضاً نعرف قدر هذا المال، وحق إخواننا المسلمين في العالم الذين يموت طائفة منهم جوعاً، وطائفة ترتد عن الإسلام بسبب المجاعات، وبسبب التضليل الذي يأتي بلقمة العيش وبالخبزة ويقدمها وعليها الصليب، وحينئذ يقدم دينه كله ذلك المسكين من المسلمين مقابل تلك اللقمة التي قدمت وقد رسم عليها الصليب، إذاً: هو مطالب بأن يرتد عن دينه مقابل ذلك، وكثير من المسلمين يملكون الثروة -والحمد لله- ولربما طائفة منهم لا يقدمون ما أوجب الله تعالى عليهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية