انتقل إلى المحتوى

ألف خيبة وخيبة

فتح صاحبي دكانا، وكان أغلب بضاعته السردين، واللحمة البقري ،ولحمة الخروف المعلّبة .والحقيقة أنه لم يكن تاجرا يحسب الربح والخسارة المادية . فربحه أن يجتمع عنده الأحباب، وخسارته أن لا يجد من يؤنس وحدته . وهنا لا أبالغ إذا قلت بأنه كان عبقريا ويجيد فن الرسم والنحت . وقد ألّف بين علب السردين واللحمة البقري روايته ” العاشرة ليلا ” ، وهي سر من أسراره التي ما زالت مخبوءة في نفسه إلى هذه الساعة .
وفي تلك الفترة كانت نفسي تعاف السردين ، وصاحبي يعلم ذلك ، وكان يدعوني كلما ضحى بواحدة من علب لحمة الخروف أو البقري ، ولم نلتفت يومها إلى تاريخ الصلاحية ، المهم أن نأكل لحمة حتى لو كانت من القرون الوسطى . وتلك المعلبات لها طعم لذيذ ورائحة توقظ المصارين المغشي عليها من الجوع . وفي إحدى الليالي ألفيته يطبخ لحمة الخروف ، وقد جئته على حين غرة ، فقال لي وهو يقلقل اللحمة : أتدري يا فلان أنهم وجدوا في إحدى علب اللحمة إصبع إنسان ؟ لقد قرأت ذلك في إحدى المجلات !
لم يدرك صاحبي أنه بهذا الخبر الفظيع قد سد كل مناسم شهيتي ، لذلك لم أشاركه وجبته ، وكنت أنظر بشوق وهو يلتهم اللحمة ، لكنني كنت أتخيل صورة الإصبع . ومن ذلك اليوم فارقت نفسي لذيذ طعم لحمة الخروف والبقري وإلى هذه الساعة ، وكلما رأيت تلك العلب في الدكاكين تذكرت تلك الواقعة .
كان صاحبي عاشقا للأدب، ومن بين علب السردين واللحمة البقري وعلى أحد الرفوف هناك كتاب ” ألف ليلة وليلة ” بورقاته الصفراء القديمة ، وكنا نقرأه على فانوس يعلق سناه في أنوفنا . وفي تلك الأيام كانت لنا أمال وأحلام بعيدة المدى ، ونحن سعداء أننا كنا نسير نحوها . لكن صاحبي أدرك بعد سنين أنها كانت أضغاث أحلام . وقبل أسبوع جمعني به لقاء، وقد رأيت الحزن في عينيه، وعلى تقاسيم وجهه، فأخذت أذكره بتلك الأيام الخوالي : أيام السردين ولحمة الخروف ، وبروايته ” العاشرة ليلا ” ، وبليالي ” ألف ليلة وليلة ” . فابتسم ابتسامة الحزين ثم قال : كنا في زمن ألف ليلة وليلة ، واليوم نحن في زمن ألف خيبة وخيبة !
آآآه ! أكاد أبصم بالعشرة على صدق مقولة صاحبي وأننا في زمن ” ألف خيبة وخيبة ” ومن تلك الخيبات أنك لا تستطيع أن تربي أولادك على ما تشتهيه نفسك ، وأعلى تلك الخيبات هي ” خيبة أمّة ” .
وتحية إلى كل من جعل من نفسه شمعة تحترق من أجل الآخرين

النقاش

  1. مقال جميل استاذ شتيوي لكن لابد من التفاؤل بدلا من التشاؤم الخير باقي مازالت الحياة جميلة وإن كدرت حياتنا سوء استخدامنا للتقنية الحديثة شكرا للكاتب والصحيفة

  2. وتحية إلى كل من جعل من نفسه شمعة تحترق من أجل الآخرين
    كلام من صميم القلب والواقع
    وتحياتي الكاتب المبدع المشوق بصراحة

  3. يقولون في المثل الشعبي ضربك في الميت حرام ….الجديد سنوات وعدد دويلات بني يعرب من كثرها لا تحصى إلا اذا

  4. وتحية إلى كل من جعل من نفسه شمعة تحترق من أجل الآخرين

    لاجديد مبدع كاالعاده اخي شتيوي وتحيه خاصه لك
    من بعد غياب عن مقالاتك المشوقه
    فألم رحيل جنتي جعلني ابتعد لفتره عن كل شي

    اخوك مشعل

  5. الاخ أبو زكريا مبدع من يومك ما شاءالله عليك ورحم الله والديك بس ياريت نقراء لك شي عن تل الديابة

  6. الأخوة والأخوات الكرام
    كان بودي أن تعقبوا بأسمائكم الصريحة والتي تشرفكم وتشرفني . فنحن هنا نكتب ونناقش بكل أدب واحترام .غايتنا أن نوصل رسالة خير . وكم كنت سعيدا حين كتب إلي أحد الأخوة فقال : لقد غيّر أحد مقالاتك حياتي !
    ذلك مجرد رأي والمعذرة إن كنت تدخلت فيما لا يعنيني .. ومع ذلك فتحية لكل من حضر أو مر من هنا

    الأخ الكريم ( نزهة المشتاق )
    قد لا تعلم ما أحدثته في نفسي من شوق إلى كل الأشياء الجميلة في هذا الكون وأنا أقرأ ” نزهة المشتاق ” . فلك مني وافر المحبة والتقدير

    الأخ ( واهج الشمال )
    قلبي يحدثني أنك من أحبابي القدماء . تقبل تحياتي وتقديري

    أستاذي الكريم ( ضيف الله العطوي )
    أين أنت يا رجل .. ما زال لدي أمل في أن تعود . لك من الحب والتقدير أوفره

    الأخ الكريم ( مشعل تبوك الورد )
    صبر جميل والله المستعان . تقبل شكري وتقديري

    الأخ الكريم ( أبو فطوووم )
    لقد عرفتك من خلال ( تل الديابة ) لأنه لا أحد يعرفه غيرك . وأنا متأكد أنك كنت عند خالد . وأنا أوعدك – إن شاء الله – أن أكتب مقالا عن ” تل الديابة ” . تحية لك وسلم لي على فطوووم

  7. ابدعت ايو زكريا
    لكن هل لي ان اعرف دكانك المزعوم !!!!!!!
    ليس لاشترى منه لكن لكي اقرأ كتاب الف ليلة وليلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية