انتقل إلى المحتوى

ليلة من ليالي ” دمج ” – 1!

من الذي يصنع الجمال على أرض جرداء ؟ . ومن الذي يجعل للتراب قيمة ؟
كم من أقدام منتعلة أو حافية مشت على أرض “دمج ” دون أن تدرك أنه سيأتي زمان يكون للخطوة ثمن . وكم من أعين شابة ومشيبة نظرت فيما حولها فارتد إليها طرفها مع إشراقة شمس أو مغيبها دون أن تلمح ذلك السّحر . ففي ذلك الزمان لم يكن هناك ساحر يبدل حقائق الأشياء .. حتى أولئك الذين يصهلون في بيوت مشرعة، لم يدركوا أن للتراب قيمة . وكذلك نحن الذين كنا نجلس في ساعة ” ثرثرة على رأس طعس ” لم ندرك تلك القيمة ، حيث كنا نتجاذب أطراف الحديث في تلك الليلة الصيفية المقمرة، وكان حديثنا يدور تارة حول التاريخ ، وتارة أخرى حول ” أبو الحصين ” الذي نصبنا له ” فخ ” لغرض في نفوسنا . لقد بخلت علينا ” دمج ” في تلك الليلة ولم تمنحنا الصيد ” أبو الحصين ” .. كلا ، لقد كانت كريمة، لكن ” أبو الحصين ” كان ذكيا فترك الفخ وما حواه من قطعة لحم ليقع فيه ” الغراب ” الذي ملأ الفضاء نعيقا !
كانت تلك هي الصورة وتلك كانت الموسيقى .. ولا أحد يعزف لحن البقاء للراحلين !
ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعد ما عز اللقاء
فإذا أنكر خل خله، وتلاقينا لقاء الغرباء
ومضى كل إلى غايته،لا تقل شئنا فإن الحق شاء
ربما كانت ” دمج ” قطرة من بحر تاريخ .. وعن ” دمج ” تحدثني عجوز بلغت من العمر عتيّا، فقلت لها : إيه .. زيديني عشقا زيديني ! . كانت تحدثني وكنت أستمع إليها وكأني أستمع إلى صوت أم كلثوم وهي تشدو ” قصة الأمس ” . كان يخيّل لي وهي تحدثني بوجد وحنين أن ” دمج ” كانت واحة غناء، تشدو في خمائلها البلابل، وتنوح على أيكها الحمائم، وترتع في عرصاتها المها والغزلان، وعلى طعوسها الوضيحي تثنّى ! . ربما كانت في نظر العجوز أجمل مما ذكرت .. يكفي أنّ تلك الطعوس قد رسمت في يوم من الأيام معالم أقدامها الصغيرة الحافية وهي تسير خلف نويقات أو شويهات . كم هي جميلة تلك الذكرى التي تنتزع من عينيك دمعة على ماض قد يراه البعض كئيبا بئيسا .. إنها قدرة الإنسان على التأقلم مع الطبيعة، بحيث يحب المكان ويعشقه ويرتبط به، ولو كان قاسيا، ولو كان مأواه إلى جذع طلحة . هكذا علمتنا الحياة أن نبكي حتى على قسوتها في حقنا .
والسلام
في مقال قادم إن شاء الله تعالى – سأحدثكم عن ” دمج ” من زاوية أخرى، بحيث يصل صيتها إلى جزر ” الواق واق ” مرفقا معه موسيقى تصويرية ( جرّة على الربابة ) من إبداع الموسيقار كاتب المقال . سأحدثكم عن صهيل الخيل وهمهمة الفرسان، وعن حنين النوق وهدير الزمل، وعن ثغاء الشياه ونبح الكلاب ومواء القطط وعن صياح الديوك .. سأحدثكم عن الورد والفل والياسمين .. وعن صوت الزغاريد في قصور أفراح ليالي ” دمج “.. وعن صوت طلقات الرصاص الحارقة والألعاب النارية .. سأحدثكم عن الهجيني والدحيّة .. كل هذا وأكثر ستجدونه هنا بعون الله .

النقاش

  1. من كلامك عنها احس طعوسها زعفران
    و من حبك لها نحبها
    مستقله في وصفك
    مثل عذراء كونيه
    والمكان من اهله

    تحياتي لكم

  2. ابا زكريا اه لوتعلم كيف تم منح دمج للغلاباء الذين اجتهدوا فاحسنوا الظن فيمن اوصلوا له املهم وكان في مستوى الامل لكن وآآآه من لكن هناك من اشتغلوا بضميرهم الميت فكان دمج الحل وفرح بعض الغلباء وحزن بعضهم وهم لايعلمون عن الهدية التي اهديت لهم كان ذلك في اول الثمانينيات الهجرية رحم الله هؤلاء الشرفاء وقاتل الله المفسدون في الارض .ارمينيا حركت وثائق لها مائة عام ووثائق دمج لم تتجاوز 60 عاما ولو ظهرت لافائدة سوى حزمة من الشتم لمن يستحقه ولو كان في عالم الاموات .
    دمج هذا سر من اسرارتبوك لماضيه ولما قديكون تحت كثبانه الرملية الذهبية لا ادري لماذا احرفه تمثل كلمة مجد سامحك الله ابازكريا تحسن اثارتنا ولكن ماحولك احد

  3. الأخ صاحب الرمز [1]
    أشكرك جزيل الشكر .. ومن خلال متابعتي لتعقيباتك على مقالات الكتاب أشعر بأنك تملك ثقافة واسغة ولديك الجرأة والشجاعة في الرد ، إنني أجزم بأنك كاتب متمكن حتى ولو لم تكتب غير الردود
    أسعد بوجودك الثري مع جميع الكتاب هنا
    تقبل تحياتي

  4. كم هو جميل ارتباط الانسان بالمكان
    دمج محطة على دري البخور وان لم يكتشفها احد
    وساتثبت لكم الأيام صدق كلامي
    شتيوي لك الشكر بحجم السماء

  5. على مدى متابعتي لك وشغفي بما تكتب ارى انه هنا يتجلى ابداعك حينما لاتتخلى عن تبوكيتك رغم انه من الواجب على الكاتب طرح هموم مجتمعه ولكني(اكيف )على مقالتك حينما اجد فيها مصطلحاتنا وعبق ماضينا وجغرافيتنا
    مبدع ياشتيوي

  6. الأخ الكريم (الغربي ) وعليك السلام ورحمة الله تعالى وبركاته .. سعدت بتواجدك ، أشكرك

    أستاذي العزيز ( ضيف الله العطوي ) لعلك تذكر قول أحمد شوقي ” ولكن ” !.. أشكرك بقدر حبي لك

    الأخ الكريم ( أهالي قرى نعمى والسرو وبجدة ) .. أنعم الله عليك بكل خير ، ولك من الشكر أوفره

    الأخ الكريم ( من الديرة ) .. يا دارة دوري فينا ! ..والإبداع يتجلى حين نكون صادقين .. وفي كتاباتي أحاول مزج الماضي بالحاضر .. لأن في الماضي صورتي الأصلية التي أعشقها.وأجمل المقالات عندي هي تلك التي تغوص في أعماق النفس وتجريدها.. لكني أواجه في ذلك سوء الظن والفهم الأعرج، حين يأتي من يقول لي : من تقصد ؟! أشكر لك تواجدك معي هنا

    شكرا لكم ولجميع القراء الكرام .. وشكرا للأم ( صدى تبوك ) التي احتضنتنا هنا

  7. الكاتب الأصيل شتيوي العطوي

    يسعدني أن أقراء لك دائماً فأنت كاتب موهوب بالفطرة متمكن من أدوات الكتابة والسرد. مقالاتك تحرك أحساسيس القراء وترضي شغفهم وتلامس طبيعتهم الفطرية. سخريتك في المقالات أضافت لكتاباتك تميزاً وتفرداً واعطتها هوية موسومة بأسم “شتيوي العطوي”.

    تحياتي لك واتمنى أن لا تحرمنا المزيد من هذا النهر الأدبي المتدفق.

  8. الاخ شتيوي لك كل التقدير والاحترام ذكرتنا بالماضي الجميل الذي لن يعود ننتظر جديدك استاذي الفاضل

  9. ما شاء الله تبارك الله

    قلم ثري وخيال خصب وروعة تصوير وعشق عميق ,,,,,

    نسفت نظرية جمال الطبيعة ليحل محلها جمال النظر وحسن الوصف ،،،

    كن جميلا ترى الوجود جميلا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية