انتقل إلى المحتوى

مجزرة اللّغة!

في محفظتي الجلديّة المهترئة الكثير من البطاقات: بطاقة الهويّة، بطاقة العائلة ” الطعشيّة “، بطاقة التأمين الطبي لدى مستوصفات الكحّة، بطاقة الصرّاف، وكذلك رخصة قيادة العربيّة ( السيارة ) وأكثر تلك البطاقات استخداما هي بطاقة ” الصّرّاف “. وهناك الكثير من البطاقات التي لا داعي لذكرها ، لكن محفظتي – التايوانية – تخلو من رخصة قيادة العربية ( اللّغة ) ومع ذلك أمارس الكتابة دون أن يسألني أحد عن الرخصة. وما زلت أمارس التفحيط والتبنيط والترفيع . ولا شيء يستحق ذكره هنا غير أني وجدت نفسي ذات يوم في شعيب مقفر أحمل دفترا وقلما أهداه لي أحد الدارسين وهو في طريق هروبه من المدرسة . وفي ذلك اليوم الأغر رسمت لوحة عشوائية لو اطلع عليها أهل هذا الزمان لكانت أسوأ لوحة في التاريخ، لكن تلك الخرابيش كانت تثير إعجابي الشديد، وفي ذات الوقت أثارت فضول تيس الغنم الذي ترك المرعى وجاء يستطلع خبري، وفي غفلة مني كان الدفتر وجبة شهية لذلك الأقرن، وكأنه يقول لي : بلاش هباب ! . كان ذلك بعد ” النكسة ” وكانت تلك الحادثة نكسة أخرى، وكنت أعتقد أنها الأخيرة .
كنت غاضبا من صنيع التيس، وكنت أتمنى من والدي أن يجزره على ” الراجوحة ” ذات الثلاث شعب، لكن والدي يعرف قيمة ” الفحل ” ولا يعنيه أبدا في تلك المرحلة ولا التي تليها أن أكون من فحول اللغة والأدب . وفي سنة لاحقة كان صوت لبلبة التيس ينشرح له خاطر والدي ويضيق صدره حين يسمعني أردد ” أبجد هوّز حطي كلمن ” فيضرب كفا بكف ويقول متحسرا: باطل ! .. وهذا يعني أني منحرف فكريا عما يفكر فيه هو يرحمه الله .
وخلال سنين الدراسة العجاف لم تكن اللغة ذات أهمية بالنسبة لي، فلا شيء يسر الخاطر، وكنت أكره مادة التعبير حتى جاء أستاذي الرائع ” يوسف الجفال ” وكان تدريسه لنا في الوقت الضائع، حيث لم أر مدرسا مثله في تحبيب المنهج للطالب، وأذكر أنه ألقى علينا قصيدة من حافظته لشاعر عراقي معاصر وأخذ يشرحها ويستنبط منها المعاني البلاغية . ومن خلال أسلوبه المشوق عشقت اللغة والأدب، فأخذت أقرأ، ووجدت في نفسي ميلا للكتابة والتعبير عما يجيش في خاطري، لكني ما زلت ضعيفا في اللغة، فطلبت من أستاذي الفاضل ” عيسى العبيدان ” أن يجلب لي معه كتاب ” الوافي ” وكان في طريقه إلى جدة، فقال لي : على هالخشم ! كعادته في تلبية أي طلب . وبالفعل أحضر الكتاب ومعه مجموعة من الكتب، من بينها ” جواهر الأدب ” هدية منه يرحمه الله . ومن ذلك التاريخ بدأت الكتابة العشوائية. فهل كان التيس على حق حين التهم الدفتر ؟ لا بد وأن الجواب حاضر في هذا المقال، وأن صاحبه يرتكب جريمة في حق اللغة . وإذا كنت أتحدث عن ” مجزرة اللغة ” وجزاري اللغة، فإني أحد هؤلاء الجزارين الذين لا يبالون إن كانت الجزارة أوصالا أو ريشا أو لعمل الكفتة والكباب . وقد تغفر اللغة لي ولمن هم في مستواي ( الثانوي ) هذه الجزارة، لكنها أبدا لن تغفر لبعض حملة الماجستير والدكتوراه، ذلك حين تجد في كتاباتهم من الضعف ما يترفع عنه الابتدائي في زمن ” التيس ” سالف الذكر .
لا بد وأن هناك خللا في نظرتنا للغة، خلل لا يصلحه إلا من كان في مستوى وتفكير أستاذي ” يوسف الجفال ” .
ومعذرة أيتها البحر !
والسلام

النقاش

  1. أخي ابازكريا جميل انك تتحدث عن اللغةالعربيةالتي مرت عقود من الزمن وهي المادة التي يخوفون الطالب منهاوللأسف أنه يدرسها من لايجيدها وممايزيد الأمرسوء ان الذي لايجيد الانجليزية يتكلم بها وهناك عوامل عديدة تعمل على هدم اللغة
    الاعلام في المقدمة
    الاطباء ووصفاتهم حتى والادوية تصنع بالمملكة
    الخطوط السعودية
    الشركات عامة
    ومن المضحك انك تجد في القرية اللوحات باللغة الانجليزية بالطبع الى جانب العربية
    وانت تذكر جواهر الادب اعتقد انني قرأته في الثالث متوسط واليوم أجد من يذم هذاالكتاب وأعتقد أنه جانبه الصواب
    رحم الله عيسى العبيدان وأكثرالله من أمثال يوسف الجفال وكوكبة من الاشقاء في سوريا وفلسطين والاردن فقد كانوا يشعروننا بالغيرة على مواد الدين واللغة

  2. أخي شتيوي

    ملامح صورتك لا توحي أنك من المخضرمين

    لكن ما دام درسك (الأستاذ. يوسف الجفال) رحمه الله

    فأنت منهم بلا ريب ،،، تحياتي لك ورحم الله أستاذنا

    الإنسان. يوسف الجفال الذي غادر دنيانا في مدينة

    القدس قبل سنين.

  3. من اسم الا ستاذ يوسف الجفال
    يوحي بالبساطه وحسن الخلق
    ولو اني اول مرة اسمع عنه
    اما اللغه العربية
    ففرو منها ياناس
    فكيف لغهداول حرف فيها يقولون له حرف الالف
    ومن ثم يقرونه ا ولايقرونه الف
    ار
    ول مره اسمع تخلف زي كده
    الحرف اسمه ونطقه واحد الا العربه
    قال الف او اليف

  4. استاذ شتيوي للاسف انت فقير بالمقالات الإجتماعية مقالاتك لاتلامس الشارع العام فياليت تكتب عن هموم المواطن التبوكي وشكرا

  5. سلمت أنامل خطت هذا المقال الرائع ، والكاتب القديم القدير شتيوي سلامة وهو من كتاب الشرق الأوسط القدامى عاد مع عود النشر الإلكتروني وهذه من مزايا النشر الرقمي ، فسر نحن قراؤك وفقك الله

  6. رحم الله صاحب البحر . فماذا عساه أن يقول لو امتد به العمر الى زمن التيوس عن البحر الذي أصبح عكرا ولم يعد يرى في أحشائه در ولا صدفات.فصدقا قال : أرى كلَّ يومٍ بالجَرائِدِ مَزْلَقا مِنَ القبرِ يدنينِي بغيرِ أناة ِ. مقال رائع وان كان يدمي قلب من يعشق لغة الضاد . شكرا أستاذ شتيوي .

  7. السلام عليكم
    كتاباتك شيقة واسلوبك مميز وثقافتك عالية ولغتك سليمة ومنضبطة بقواعد النحو والملاء.
    وإن أشرت الى المؤهل العلمي (الثانوية) والماجستير والدكتوراة. فالبعض منا (مجرماً) في حق اللغة .
    ومن المؤسف حقاً ما نشاهده في كتابات الأخوة اصحاب المؤهلات المذكورة ، عندما يكتبون (لاكن) و(لم أرى)وغيرها.
    رحم الله (حافظ ابراهيم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية