انتقل إلى المحتوى

محريٍ(ن) بالخير يامزنٍ نشا

قال عز وجل : ( أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ). والمزن بمعنى السحاب المضيء التي تحمل الماء أو المطر والخير للبلاد والعباد بأمر الرحمن وقال بعض المفسرين المزن: السماء والسحاب، وهي جمع اسم مزنة أي السحابة الكثيفة بالبخار والمتهيئة للهطول.

يقال: لولا اصطدام السحاب لما انهمر المطر، ولولا احتكاك العقول لما اشتعل الفكر.
وللشعراء في الوصف باع طويل وجميل ولكلّ قريحته الناضحة بما فيها، يقول البدر:
عشق جمع ما بين قاعٍ وغيمه…
سيّل علي صدر الثرى دمع الامزان
همس النديم اللي يعاتب نديمه …
صوت المطر كأنه تعاتيب خلان

ومن قصيدة السموأل بن عاديا حاكم تيماء التي يقول في مطلعها :

إِذا المَرءُ لَم يُدنَس مِنَ اللُؤْمِ عِرضُهُ …
فَكُلُّ رِداءِ يَرتَديهِ جَميلُ
الى قوله واصفاً نفسه بالجود كحال المزن التي تجود بالمطر ونافياً البخل:

فَنَحنُ كَماءِ المُزنِ ما في نِصابِنا …
كَهامٌ وَلا فينا يُعَدُّ بَخيلُ

وهذا أبو تمام حبيب بن أوس الطائي شاعر البلاط العباسي يجود بالقول واصفاً سخاء الكريم الفياض الذي لا ينقطع بجود السحب والغيوم وكأن كرمهم ككرم الطبيعة والخير الوفير:
جادَتكَ عَنّي عُيونُ المُزْنِ وَالدِيَمُ …
وَزالَ عَيشُكَ مَوصولاً بِهِ النِعَمُ…
أَصبَحتَ لا صَقَباً مِنّي وَلا أَمَماً …
فَالصَّبرُ لا صَقَبٌ مِنّي وَلا أَمَمُ

وللشاعر النجدي الصقري صاحب قصيدة الشيخة المشهورة أبيات راجيا المعبود سبحانه بنزول الغيث عن طريق المزن الغراء حتى تصبح الديار مخضرة (مريفة) وتنبت الأزهار وتفوح بعبقها وعطرها وتكون كالقطيفة أي السجادة ذات النقش الجميل:

يامزنة غرا من الوسم مبدار …
اللي جذبنا من بعيد رفيفه …
تومر على كل المفالي بالأمطار …
وتصبح بها ديران قومي مريفه
غب المطر فاحت بها ريح الأزهار …
تخالف النوار مثل القطيفة

وذكرت مزن تهامة في مرثية الشاعر محمد بن لعبون في زوجته التي وافتها المنية بأرض الحجاز داعياً أن تسقي المزن قبرها هناك وينبت فيه البختري والخزامى وترتع فيه الظباء (طفلات الجوازي) التي تجزي عن الماء اي لا تشرب إلا القليل منه وقت القيظ:
سقى غيث الحيا مزنَ تهاما …
على قبر بتلعات الحجازي
يعط به البختري والخزامى …
وترتع فيه طفلات الجوازي

ولاننسى أبيات شاعر الوطن خلف بن هذال عاشق القفار التي تفوح منها ريح الزهر وترتع فيها إبله التي تؤنس وحدته فتفيض قريحته وتصوره الشعري أثناء نظره للمزن المتحركة في السماء قائلاً:
خلوني اقضي باقي العمر سايح …
مادام للعمر المطرّف بواقي
امشي تحت غرّ المزون الروايح …
هذا هواي ورغبتي واشتياقي

وهنا نقف عند أبيات أمير الشعر خالد الفيصل التي تثير الإحساس النقي وتعطينا الخيال الجميل بعد طول الانتظار لنشأة المزون في سمائنا الصافية:

محريٍ بالخير يامزنٍ نشا …
ياحلو عقب الوسم رجع السَّحاب
هل رذراذك على روض الحشا …
ربِّع بقلبِ دوامٍ لك شباب

وفي النهاية نتفق جميعاً أن بياض المزن ينشئ فينا روعة الإبداع في الوصف وإنشاد القوافي الجميلة التي تخاطب عقولنا وتسكن قلوبنا ويحلو لنا ترديدها لتبقى ساكنة في أعماق الذاكرة.

أحمد عبد العزيز الحميدي
باحث في الأدب والتاريخ العربي.

النقاش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية