انتقل إلى المحتوى

لمحة تاريخيّة عن حرب اليمن الأولى وبطولة سعود وفيصل ..

واجه الملك عبد العزيز في بداية حكمه كملك مشكلات في العلاقات الخارجية، ومنها قضية الحدود مع اليمن، التي لم تكن قد حُدّدت من جانب البلدين، مما أدى إلى خوف الإمام يحيى حميد الدين من توسع الملك عبد العزيز باتجاه الجنوب، ولذلك حاول أن يعتدي على نجران لضمها إلى اليمن.
وعندما بدأ بالتقدم لدخول نجران، وقف أهل نجران وقفة الأبطال، وذهبوا إلى الملك عبد العزيز لطلب المساعدة والحماية. ففي خلال حج عام 1350هـ، ذهب وفد من قبائل «يام» إلى الملك عبد العزيز، بمعية عبد العزيز العسكر، ممثل الملك عبد العزيز في أبها، وجابر أبو ساق، وذلك لتجديد العهد الذي أبرموه مع الإمام فيصل بن تركي لحمايتهم وكف السوء عنهم، وللدخول تحت لوائه وكذلك لإعلامه بأن الإمام يحيى قد حشد قواته في «الفرع».

وبعد وصولهم إلى الرياض ومقابلة الملك عبد العزيز وعرض طلباتهم عليه، أمر الملك عبد العزيز بإمدادهم برايتين واحدة لابن منيف، والثانية لأبو ساق، كي يتوجهوا إلى نجران، انتظارًا للمدد من الجيش السعودي.

وفي عام 1352هـ الموافق 1934م أرسل الملك عبد العزيز حملتين قاد إحداهما ولي عهده الأمير سعود، الذي خطط للهجوم على نجران والزحف عبر الجبال الوعرة في الشمال الغربي من اليمن والأخرى باتجاه الحديدة، سالكة الطريق الساحلي، تحت قيادة الأمير فيصل بن عبد العزيز.

دخل الأمير سعود نجران قادمًا من نجد عبر خميس مشيط، ورافقه مجموعة من الأمراء، منهم فيصل بن سعد، الذي قاد إحدى فرق حملة سعود، ومحمد بن سعود الكبير، وخالد بن محمد بن عبد الرحمن، القائد لفرقة أخرى من الحملة، وعبد الله الفيصل آل فرحان.

وأثناء توجه سعود إلى نجران، تقابل في الطريق مع الشيخ محيريق آل فهاد من أهل بدر الجنوب، الذي زوّدهم بدليل لمرافقتهم، وهو في طريقه إلى «الفيض» حيث اتجهوا إلى أرض المعركة عن طريق ظهران الجنوب، وتوقفوا في الثويلة، ثم انتقلوا إلى الحماد، وخيموا فيها لمدة ثلاثة أشهر لإدارة المعركة من هناك.

ومنطقة الحماد قريبة من الحدود اليمنية، واختيرت لوجود موارد للمياه في «العاقة»، ولأنها واسعة، ويوجد بها أماكن عالية تكشف المنطقة للقوات المرابطة من جميع أطرافها، ولقربها أيضًا من الحدود مع اليمن.

وكان عدد القوات التي كانت تحت قيادة الأمير سعود سبعة ألوية، وكل لواء يحتوي على ألف مقاتل، ويسمى «الشوكة» وكان الجيش مكون من قبائل العجمان، وآل مرة، ويام، وسبيع، وشهران، والدواسر، وقحطان، ومجموعة من الرجال المعروفين بالشجاعة والولاء، مثل جابر أبو ساق، وبن سعيد (خويّ للملك عبد العزيز) وغيرهم من الأبطال الذين ضحوا بحياتهم من أجل الوطن.

وكان الأمير سعود يدير المعارك ويخطط لها من «غار سعود» في الحماد، الذي يبعد عن نجران 90 كيلومترًا، وأيضًا يمكن زيارة «حيد سعود» التي تقع بالقرب من «غار سعود»، وهي صخرة كان يستخدمها سعود كبرج للمراقبة لأنها تطل على الحدود اليمنية، وتستخدم أيضًا كمجمع للقيادة.

وبعد أن عسكر السعوديون في الحماد، تقدم الجيش السعودي واستولى على «باقم»، وهي قرية واقعة بين جبال تهامة، ثم تابع إلى قرية «نقعة» التابعة لصعدة، لمواجهة الجيش اليمني، والمحاطة بالجبال. وكانت هذه الجبال معروفة بصعوبة الوصول إليها وتسلقها وتجاوزها، كما أنه لم يكن لدى الجيش السعودي فكرة وافية عن تضاريسها، وكانت تُلقب بجبال القهر، وتم العبور بين موقع وآخر في كثير من الأحيان عبر التسلق بالحبال.

وعندما احتد القتال بين الفريقين، قلت الإمدادات للجيش السعودي لصعوبة الوصول إليه، فشحّت موارده من الغذاء، ولا سيما بعد هجوم اليمنيين على مخيمات الأمير سعود في الحماد، وسرقة المؤن منها وإحراق خيامهم، حتى وصل الأمر بهم إلى أكل «الحدأة»، وهي من الطيور الآكلة للجيف.
وكانت القبائل اليمنية مدركة لمداخل الجبال ومخارجها وتضاريسها، ولذلك أصبحت غاراتها تزداد يومًا بعد يوم على السعوديين، بينما كان الأمير سعود وجنوده معتادين على حروب الصحراء وفنونها التي تختلف تمامًا عن حرب الجبال.

فقام سعود بتقسيم جيشه إلى أربع فرق، كالتالي:

الفرقة الأولى: كانت بقيادة فيصل بن سعد بن عبد الرحمن، ووجهتها إلى باقم.
الفرقة الثانية: بقيادة خالد بن محمد بن عبد الرحمن، الذي كان عليه أن يتقدم بين نجران يسارًا وباقم يمينًا، ليصل إلى حدود صعدة.
الفرقة الثالثة: تحت قيادته، ليتقدم من الجهات الواقعة شرق المنطقة التي يسير فيها القسم الأول، على أن يتجهوا جميعًا نحو الجبهة.
أما القسم الرابع من الجيش: فقد سيطر على بعض أجزاء نجران بمساعدة أهلها، مما استدعى إرسال سعود قوة أخرى تمكنت من الاستيلاء على نقعة، وكانت هذه المعركة الأخيرة هي التي حسمت الحرب لصالح القوات السعودية، التي أجبرت بعض القوات اليمنية المتبقية على التراجع باتجاه بلاد وائلة، ثم تعقبتها لإخراجها من المنطقة.

انتصر ولي العهد الأمير سعود على اليمنيين في موقعة حرض، وتوغل وراءهم حتى اقترب من غمدان، كما سيطر على المنطقة الواقعة بين صعدة ونجران، بالرغم من أن صعدة لا يصلها إلا قليل من الناس حتى يومنا هذا، لصعوبة مداخلها، وكان الأمير أحمد حميد الدين، ولي عهد اليمن وقائد الجيش اليمني، متمركزًا فيها.

والمعروف أن أهل هذه المناطق هم من قبائل «زيدية» ورجال حرب، يقال إنهم من أشرس المقاتلين اليمنيين على الإطلاق، مما يشهد لهذه القوات السعودية بالبسالة، وهي التي شكلت الحملة الرئيسية على اليمن، وتمكنت من مقاومة الجيش والقبائل اليمنية المقاتلة.

إلا أن وجود الأمير سعود، القائد العام لهذه الحملة، على رأس قواته، تمكن من اجتذاب أعداد كبيرة من القبائل وأقوى فصائل المقاتلين اليمنيين للمواجهة. وكان من أكبر فوائد هذه الاستراتيجية اجتذاب القوى الرئيسية من الجيش اليمني للقتال، وبالتالي تسهيل مهمة القوة السعودية الأخرى بقيادة الأمير فيصل بن عبد العزيز، الزاحفة على امتداد الطريق الساحلي والمجهزة بالسيارات والناقلات، والتي لم تواجه مقاومة تذكر إلى أن وصلت إلى الحديدة.
وعندما سيطر الجيش السعودي على باقم ونقعة والحديدة، أيقن الإمام يحيى أنه خسر الحرب، عند ذلك طلب التفاوض مع الملك عبد العزيز. فأرسل الملك عبد العزيز رسالة إلى ولي عهده، وأمره بالتوقف عن الحرب، فعاد الأمير سعود إلى مدينة نجران، وخيّم في «الفرع» وبدأ في عملية تبادل الأسرى.
وكان سعود يكرم الأسرى اليمنيين ماديًا ومعنويًا، كعادته في الحروب، خاصة كبار العشائر، وذلك قبل إعادتهم إلى بلادهم. ومن أمثلة ذلك «ابن روكان»، شيخ قبيلة بني جماعة، الذي أسره السعوديون في «هدادة»، ثم أطلق سراحه وأكرمه الأمير سعود قبل إعادته إلى اليمن.

وانتهت هذه الحرب بانعقاد معاهدة الطائف في عام 1353هـ، 1934م، وبقي الأمير سعود بعد ذلك مع قواته ما يقارب ثلاثة أشهر في نجران، حتى استتب الأمن في المدينة، وتم تعيين عساف بن حسين أميرًا عليها.

ونوّهت المصادر البريطانية السرية إلى أن هذا الحدث ساهم في لفت أنظار العالم إلى ولي العهد الأمير سعود، رحمه الله.

وقال الشاعر محمد بن علي آل حمامة، من أهل نجران، هذه الأبيات بمناسبة الاستسلام:

استمنعوا همدان ما هم بذلان.. من عقب ضرب محكمات القفالي
واستسلموا للشيخ خالد وشقران.. وسعود أبو خيرين ذاك الهلالي

واليوم ما زال اليمن مصدر قلق لجيرانه، طالما هناك يد خارجية تتدخل في شؤونه لأغراض متعددة، منها التهديد الأمني والاقتصادي لطرق التجارة العالمية والملاحة في البحر الأحمر، ما ينعكس بشكل مباشر على أمن دول المنطقة.
وبالرغم من ذلك، تبقى السياسة السعودية المحنكة ثابتة على قيمها وحكمتها، كما هو معلوم للجميع، والهزيمة والخسران لمن عاداهم وخالف مشورتهم.

‎أحمد عبدالعزيز الحميدي
‎باحث في الأدب والتاريخ العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية