انتقل إلى المحتوى

الخطاب الملكي وصناعة الإنسان.. “التعليم والوعي الفكري أنموذجا”

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
فإن خطاب ولي أمرنا ومقام والدنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، الذي ألقاه سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود حفظه الله، أمام مجلس الشورى هذا العام، جاء حاملا مضامين وطنية وفكرية عميقة، تجمع بين رسوخ الثوابت، والاعتزاز بالهوية، وصناعة الإنسان، واستشراف المستقبل؛ في صورة تعكس منهج المملكة العربية السعودية في بناء حاضرها ومستقبلها على أساس راسخ لا يتغير بتغير الظروف والتحولات.

ومن أعظم المضامين التي استهل بها الخطاب التأكيد على أن الدولة السعودية، عبر مراحلها التاريخية، قامت على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتمسك بالتوحيد والعدل، والمحافظة على إرثها وقيمها الأصيلة، وأن هذه الثوابت تزداد مع الأيام تجذرا وقوة، بما يعزز تمسك المواطن بعقيدته الخالصة وهويته الوطنية الراسخة.

وجاءت الإشارة في الخطاب إلى مرور ثلاثة قرون على قيام الدولة السعودية لتؤكد عمق هذا الكيان ورسوخه واستمراره؛ فثلاثمائة عام ليست مجرد تاريخ يروى، بل مسيرة دولة وهوية ووحدة واستقرار وبناء متواصل، توارثت فيها الأجيال قيمها وثوابتها، ومضت الدولة في أداء رسالتها وبناء حاضرها واستشراف مستقبلها.

وهذه المعاني ليست مجرد استحضار لتاريخ الدولة، بل هي إعلان واضح عن ثوابت وطنية راسخة تشكل أساس الشخصية السعودية: عقيدة صحيحة، وكتاب وسنة، وتوحيد وعدل، وقيم أصيلة، وهوية وطنية، واعتزاز بتاريخ الدولة، وشرف خدمة الحرمين الشريفين ورعاية قاصديهما.

ومن هنا تبرز إحدى أهم رسائل الخطاب في صناعة الإنسان السعودي؛ فالإنسان هو محور التنمية وغايتها وأداتها. وقد أكد الخطاب أن المواطنين والمواطنات كانوا أصل كل نجاح تحقق في مسيرة رؤية المملكة 2030، وأن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل ركيزة أساسية لتمكين المواطن من المنافسة والتميز، ليكون القوة المحركة للتنمية.

وفي مقدمة ميادين صناعة الإنسان يأتي التعليم؛ فقد أكد الخطاب أولوية قطاعي التعليم والصحة، وأن تطوير التعليم ورفع جودته جزء أصيل من طموح الدولة لبناء مواطن قادر على المشاركة في صناعة المستقبل. والتعليم في مفهومه الشامل لا يقتصر على نقل المعرفة، وإنما يسهم في بناء الشخصية، وترسيخ القيم، وتعزيز الانتماء، وتنمية التفكير، وإعداد الإنسان القادر على التعامل الواعي مع متغيرات عصره.

وهنا يأتي دور التوعية الفكرية بوصفها شريكا مهما في صناعة الإنسان؛ فمع الانفتاح المعرفي الهائل، وتسارع التقنية، والذكاء الاصطناعي، وتعدد مصادر التأثير، تزداد الحاجة إلى بناء وعي فكري راسخ يحفظ للإنسان ثوابته وهويته، ويمنحه القدرة على التمييز والتفكير المسؤول والتعامل الواعي مع الأفكار والمتغيرات.

إن التوعية الفكرية التي نحتاجها اليوم هي التي تربط الناشئة والشباب بعقيدتهم وقيمهم وهويتهم الوطنية، وتعزز لديهم الوسطية والاعتدال، وتحصنهم من الانحرافات الفكرية، وفي الوقت نفسه تفتح أمامهم آفاق العلم والابتكار والإبداع والمشاركة في التنمية.

ولعل من أجمل ما يكشفه الخطاب أن المملكة، وهي تتقدم في التقنية والذكاء الاصطناعي والاقتصاد والاستثمار، لا ترى تعارضا بين الثبات على الأصول والتقدم نحو المستقبل؛ بل تنطلق إلى المستقبل وهي أكثر اعتزازا بعقيدتها وقيمها وهويتها.

ومن هنا تتعاظم مسؤولية الجامعات والمؤسسات التعليمية والتربوية؛ فمهمتها ليست تخريج متخصصين فحسب، وإنما الإسهام في صناعة الإنسان الواعي: معتزا بعقيدته، متمسكا بالكتاب والسنة، معتدلا في فكره، راسخا في هويته، منتميا لوطنه، مدركا لمسؤوليته، متسلحا بالعلم والمعرفة، وقادرا على الإسهام في تنمية وطنه ومواجهة تحديات المستقبل.

إن الخطاب الملكي يقدم لنا معادلة متكاملة لصناعة الإنسان السعودي: ثوابت راسخة، وعقيدة وهوية، وعدل وقيم، وتعليم نوعي، ووعي فكري، وتنمية للقدرات، واستشراف للمستقبل.

وهذه هي صناعة الإنسان الحقيقية؛ إنسان ثابت في مبادئه، واع بفكره، معتز بهويته، متعلم ومبدع في تخصصه، مشارك في بناء وطنه، وقادر على التعامل مع عالم سريع التحول دون أن يفقد أصالته وثوابته.

حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ونصره وأيده، وحفظ سمو ولي عهده الأمين رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأدام على المملكة العربية السعودية أمنها وعزها واستقرارها وازدهارها.

أ.د. نواف بن رحيل الشراري
أستاذ الفقه الإسلامي وأصوله في كلية الشريعة والقانون بجامعة تبوك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية