×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.

الخنساء وأخيها صخر

الخنساء وأخيها صخر
 
عبدالرحمن بن عبد الله اللعبون

فكرت أن أقسم المقال إلى جزئين كي لا أقع في الإطالة، ولكن كررت قراءته قرابة العشر مرات فرأيت أن أطرحه كما هو لئلا يفقد شيئا من طلاوته، وأعتذر إليكم في ذلك.
هي أم عمرو تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السُلمي، وتوفيت عن عمر يقارب التسعين في سنة 24 هجرية، والخنساء لقبها وقد تغلّب عليها، وهو يعني (الظبية) وكان أهلها آل الشريد من أشهر السلميين في الجاهلية، وبنو سليم عشيرتها ومعروفون بين العرب بالفروسية والشعر.
أبدعت الخنساء في مراثيها لأخيها صخر والتي بقيت علامة في الشعر العربي، فتشعر وأنت تقرؤها بألم الحرقة التي صدرت عنها حتى إنك لتتعاطف مع الخنساء وتواسيها.

قال عمر بن ذَرّ: سألتُ أبي: ما بالُ الناس إذا وعظتَهم بَكَوْا، وإذا وَعظهم غيرُك لم يَبكوا...؟ قال: يا بُني، ليست النائحة الثَكلى مثلَ النائحة المُستأجَرَة.
وقال الأصمعيّ: قلتُ لأعرابيّ: ما بالُ المراثي أشرفُ أشعاركم...؟ قال: لأنّا نقولُها وقلوبنا مُحْترقة.
وقال الأصمعي: نَظر عمرُ بن الخَطاب إلى الخَنساء وبها نًدوب في وَجْهها فقال‏:‏ ما هذه النُدوب يا خَنْساء...؟
فقالت‏:‏ من طُول البُكاء على أخَوَيّ.
قال لها‏:‏ أخَواك في النار.
قالت‏:‏ ذلك أطْول لِحُزني عليهما، إني كنتُ أشْفِق عليهما من النار، وأنا اليوم أبْكي لهما من النار، وأنشدتْ‏:‏
وقائلةٍ والنَّعشُ قد فات خَطْوَها...
لتًدْرِكه‏ يا لَهْفَ نفسي عَلَى صَخْرِ
ألا ثَكِلت أُمُ الذين غَدَوْا به...
إلى القَبرِ ماذا يَحْمِلون إلى القَبر
ومعروف حزن الخنساء على أخيها صخر، وما جادت به قريحتها في رثائه، وفي ذلك سئل الأصمعي عن قول الخنساء في نعيها صخر حين مات ونعته فقالت:
يذكرني طلوع الشمس صخرا...
وأندبه لكل غروب شمس
فقالوا له: لماذا خصت الشمس دون القمر والكواكب، فقال: لكونه كان يركب عند طلوع الشمس يشن الغارات، وعند غروبها يجلس مع الضيفان، فذكرته بهذا مدحا، لأنه كان يغير على أعدائه، ويتقيد بضيفه.
وقد رثته بعد البيت الأول بأبيات منها:
ألا يا نفس لا تنسيه حتى...
أفارق عيشتي وأزور رمسي
ولولا كثرة الباكين حولي...
على أمواتهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن...
أسلّي النفس عنه بالتأسي
ومن صفات السيد قول الخنساء في صخر:
أعينيَّ جودا ولا تجمُدا...
أما تبكيان لصخر النَّدى
ألا تبكيان الجريءَ الجميلَ...
ألا تبكيان الفَتَى السيّدا
رفيعَ العمادِ طويلَ النجاد...
سادَ عشيرتَهُ أمْرَدا
إذا القومُ مدُّوا بأيديهمُ...
إلى المجد مدَّ إليه يدا
فنالَ الَّذي فوق أيديهم...
من المجد حتَّى نما مصعدا
يُكلّفُهُ القومُ ما عالهم...
وإن كان أصغرهُمْ مولدا
ترى المجدَ يَهْوي إلى بيته...
يرى أفضلَ الكسبِ أن يُحمدا
ومن قول الخنساء الجميل:
وإنّ صخراً لوالينا وسيّدنا...
وإنّ صخراً إذا نشتو لنحّار
وإنّ صخراً لتأتمّ الهداة به...
كأنّه علمٌ في رأسه نار
فجعلته موضعاً للسؤدد ومعنيّاً بأمر العشيرة لقولها: لوالينا وسيدنا، وجواداً مفضلاً نحاراً في وقت الإقتار والشتوة، ثم قالت: وإن صخراً لتأتم الهداة به فجعلته إمام الأئمة، ثم جعلته علماً، والعلم: الجبل، فلم تقتصر على ذلك حتى جعلت في رأسه ناراً، شهرةً في الكرم، وناراً على علم في الهداية.
وقول الله عز وجل: (وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام) إنما هي الجبال.
وكانت الخنساء تقول الأبيات اليسيرة، فلما أصيبت بأخيها صخر جدت وأجادت، وجمعت نفسها وشهّرت.
فمما يستحسن من شعرها قولها في قصيدة أولها:
يا عين جودي بدمعٍ منك تغزار...
وابكي لصخرٍ بدمعٍ منك مدرار
وقولها:
إنّي أرقت فبتّ اللّيل ساهرةً...
كأنّما كحلت عيني بعوّار
والعوّار والعائر سواء، وهو المستأخذ، أشد الرمد وأغلبه.
كفانا الله وإياكم الرزايا، ورزقنا إلهنا حسن الاحتساب عند المصاب، فالبلايا أضياف وقراها الصبر، والمصيبة تبدأ كبيرة ثم تصغر، ومن رضي فله الرضا.
التعليقات 0
التعليقات 0
المزيد