انتقل إلى المحتوى

تيس العدّاد !

تجاوزنا عصر الفانوس ” أبو فتيلة ” ودخلنا عصر ” الإتريك “، وتلك نقلة نوعيّة لمن هم على شاكلتي، وكنا سعداء جدا بهذه النقلة المبهرة التي جعلتنا نرى وجوه بعضنا بكل وضوح في ظلمة الليل البهيم . فقد أصبحنا نتمغط في المجالس في جوّ مشبع بالنورانية، وكانت سميرة توفيق تطل بوجهها من خلال شاشة ( 12 بوصة ) موصلة بالبطارية وهي تغني ” بالله صبوا هالقهوة وزيدوها هيل .. صبوها للنشامى على ظهور الخيل ” في زمن أصبحت فيه الخيل “إف 15وإف 16″.

وفي عصر العتمة، أذكر أني وطأت في بطن أحد رفاقي وهو نائم، فأصيب بما تسميه العجائز ب ” السّطح ” ، فكان لا بد من وضع لبخة من البيض البلدي والصابون والصّوف على معدته، فردّت إليه عافيته وغدت بطنه أكبر من بطني وزاد طوله وعرضه !

لقد أحدث ” الإتريك ” تحولا في مفهوم السّهرة، ومعه تحوّلنا أيضا من وشّة الدّافور ” أبو عين ونكّاشة ” إلى البوتجاز الأخرس ” أبو ثلاث عيون ” وكانت عيوننا على مصابيح الكهرباء التي تتلألأ من بعيد، وكلنا شوق للحظة التي يقترب منا مصباح ” أديسون ” الذي أنار ظلمة الدنيا .
كانت فرحتنا بدخول الكهرباء عظيمة، حتى أن البعض يقوم بذبح ” تيس ” احتفاء بعداد الكهرباء . ومع دخول الكهرباء تغيّرت الكثير من عاداتنا وأصبح العداد يطلب منا المزيد من التغيير المتسارع، فلم نعد نسمع دندنة ” النّجر” وغابت معه المحماسة . ومع بداية البث التلفزيوني الملون خفّت حدّة السّواليف والطلايب وانقطع قوس الربابة .

وفي بداية دخول الكهرباء، كان الناس يخشون من الصعق الكهربائي، حتى إن إحدى النساء كانت تشعل مفتاح اللمبة بخشبة ! . لا بد وأنها اليوم أكثر مهارة في استخدام الآلات الكهربائية، فمن الطشت إلى الغسالة الأتوماتيكية التي تغسل وتنشف، ومن الصّاج إلى الفرن الكهربائي، ومن القربة إلى ثلاجة الماء ( حار بارد )، ومن الغسل اليدوي إلى غسالة المواعين، ومن مكنسة القش إلى المكنسة الكهربائية، ومن التقطيع والفرم اليدوي للخضار إلى ماكينة التقطيع، ومن المعجن إلى العجّانة . ومع كل ما تقدم ذكره إلا أن المطاعم قد زاد عددها، وكذلك محلات مغاسل الملابس، وأصبحت النساء يبحثن عن وظائف، ومن لم تجد وظيفة تدرج اسمها في قائمة ” حافز ” بحجة أنها عاطلة عن العمل ( خبز مخبوز ، وماء في الكوز ) والعمل متواصل على الوات ساب ” مساء الخير يا جارة .. شو طبختي، شو نفختي .. شو أخبار الحارة ” !
لقد أحدث عداد الكهرباء ثورة وتغييرا كبيرا في حياتنا، ولا يدرك ذلك إلا من عاش عصر العتمة، ومنهم صاحبي الذي جاءني يسب الكهرباء ويلعن العداد، وقد ارتفع أمبير ضغطه .

فقلت له : خير يا طير ! فقال وهو يرغي ويزبد : تصور يا أخي أن فاتورة العداد تجاوزت الألف ريال، وأنت تقول لي بكل بساطة : خير يا طير ! إنّ عقلي يكاد يطير من هذا العداد فقلت له : هوّن عليك، ولا أظنك نسيت فعلتك التي فعلت حين ذبحت ” تيس أقرن ” احتفاء بهذا العداد . لقد رأيتك والسعادة تشرق من وجهك وأنت تقرقش عظام ذلك التيس على ضوء اللمبة .

فضحك صاحبي وقال : لو كنت أعلم الغيب وأنّ العداد سيبلغ بي هذا الجهد ويلهف ربع راتبي ما احتفلت به ولا حتى بجربوع !. قلت له : أما لو تعرف قيمته لنحرت جملا ولحشوت الجمل خروفا ودجاجا وحماما . ألا ترى يا صاحبي أن حياتنا أصبحت كلها مقرونة بالكهرباء، ولا أراك تعرف نعمة ربك إلا حين تفقدها فيختلط حابلك بنابلك فلا ترى صورة وجهك .

ولأن صاحبي عاش عصر العتمة بكل تفاصيلها أخذ يحدثني بحسرة عن مساوىء العداد وأنه أفقده الكثير من متع الدنيا ومنها النوم مبكرا، فانقلب الليل نهارا والنهار ليلا، حتى أن طلاب المدارس يذهبون للمدرسة مواصلين .

وبفضل عداد الكهرباء أصبحت المطاعم والسوبر ماركت تعمل على مدار الساعة، بل هناك محلا لبيع المواعين ( 24 ساعة ) .

وفي زمن الحاجة الملحّة لعداد الكهرباء، هناك من يقف عائقا في توصيل الخدمة لبشر لا يجدون نارا ولا نورا . بشر تركوا الشاة والبعير ليعيشوا مجبرين – عصر التنوير، فكان لهم النورانيون بالمرصاد . بشر قصرت بهم الحيلة عن مساكن مرصعة بالرخام ومطلية بالدهان . ونسي النورانيون أن جميع المحلات التجارية الكبيرة مسقوفة بالزنك .

فيا أيها النورانيون، دعوا الغلابا يقرمشون زادهم على نور اللمبة . فلا خير في دنيا تموت فيها عائلة وهي تبحث عن الدفء حول موقد من الفحم . ولا خير في دنيا يستجدي فيها أحد الغلابا خيمة بدلا من خيمته التي مزقتها ريح الزمن بجوار هضبة.

والسلام

النقاش

  1. صدقت ياأخ شتيوي ،،، اللهم قدرنا وأعنا على عمل الخير ولا تجعلنا من الذي تبؤا منصب يستطيع فيه عمل الخير ولا أنتهز هذه الفرصه مفلس دنيا وأخره

  2. تحية لتلك اليد التي خطت هذا المقال ،،
    رائع بكل تفاصيله مؤثر بعمق انسانيته
    لك الله ياصديقي .. حقاً أبحرنا معك

  3. يعطيك العافيه اخوي والله يرحم العائله اللي ماتت من البرد وحسبي الله على من كان السبب

    والله اننا في نعمه نتبطح بها في كل ثانية اللهم ادم علينا نعمك ياكريم.

  4. مقال رائع أخي شتيوي . الله ينور عليك . رديتنا إلى أحلى أيام عشناها رغم شظف العيش وقلة الحيلةالتي كانت تغلف حياتنا في تلك الأيام الخوالي إلا أن الحياة كانت أحلى وأجمل وأمتع لأنها كانت مليئة بالأحلام التي لا تنتهي وماأن تحقق شيئ منها الا وانقلبت حياتنا رأسا على عقب فكلما ظهرت لناأشاياء جديدة سلبت منا أشياء جميلة وأفقدتنا لذة ومتعةالحياةالتي كانت تسودهاالمحبةوالألفةوالتلاقي . فحياتنا قديما كانت مبنية على التواصل الدائم رغم عدم توفر وسائل التواصل والآن وقد حلت وسائل التواصل بشتى أشكالها وأنواعها إلا أنه تواصل مزيف خالي من المشاعر والأحاسيس مثل تلك الرسائل المعلبة والجاهزة التي يتم تداولها في المناسبات والأعياد . فالفانوس كان يجمعنا في دائرة ضيقة وما أن ظهر الأتريك إلا واتسعت مساحةالدائرة وما أن ظهرت اللمبة الا وظهر معها التشتت الأسري داخل البيت الواحد وأصبح لكل غرفة نورهاالخاص ولكل فرد غرفته الخاصة الذي يحب ألا يشاركه فيها أحد فالنور قد ملأ كل أرجاءالبيت ولا داعي للتجمع في مكان واحد فالجوال يجمعنا ولا صوت يعلو فوق صوته لأنه سيد الموقف الآن لدرجة أنه لاأحد يجرؤ على الإعتراض على فاتورته مهما بلغت والتي تتجاوزأضعاف فاتورةالكهرباء اللمغلوب على أمرها والتي لم ترتفع إلا بسبب الإزدحام الشديد على أفياش الشحن التي لم تكن في الحسبان ولكن (محدش داري ) واللي يحسبها صح تطلع صح واللي ما يكترث في الحساب لايفتح فمه والحسابة بتحسب .

  5. الاخ شتيوي اعتقد ان للجلسه معك طعم اخر سوالفك طيبه وعلومك زينه وكتاباتك رائعه الله يوفقك اخوي شتيوي

  6. دائماً مميّز ومقالاتك مميّزة تستحق منبر الاعلام العربي بلا منازع .. والله ليس اطراء بل حقيقة لأنك تكلمت بعائلة سودانيّة توفت رحمهم الله و حفظك الله واطال بعمرك

  7. . فلا خير في دنيا تموت فيها عائلة وهي تبحث عن الدفء حول موقد من الفحم .

    مبكية هذه العبارة

  8. أخي شتيوي أتوقع والعلم عند الله انك مولود من بداية تأسيس الدولة العثمانية ، لكن غير ظاهر في الصورة حيث نرى انك في ريعان الشباب – والحقيقة من المفترض دام انك لحقت عصر الفانوس والاتريك والفتيلة والماضي التليد إنك تقيم معرض في تبوك عن الموروثات القديمة وتشرح للزائرين مقتياته وكيفية عمله لعل وعسى ان يكون لدينا في شمال وطننا الحبيب مايشبه الجنادرية فلربما تختصر على أهل الشمال السفر للرياض للمشاركة في المعرض – حيث سيكون معرض الشمال تحت اسمك ويتم تسميته ” مهرجان شتيوي للتراث القديم” وسوف نكون من اول الزائرين لهذا المعرض إن شاء الله.

    وفقك الله دائما مقالاتك ذات هدف ومعنى مع شيء من الدعابة والرساله الخفيه – نتمنى لك التوفيق والسداد

  9. مبددددددددع اخ شتيوي والله انتظر مقالاتك بفارغ
    الصبر
    يعجبني أسلوبك الساخر لتوصيل المعنى
    ويعجبني الموضوع اللي تتناوله بالطرح
    والله العظيم يوم اقراء مقالاتك اتونس وترتسم
    البسمه على شفاتي وأحيان والله اضحك لدرجة
    ألفت انتابه من حوالي
    وأتمنى تتناول موضوع إيقاف زراعة الأعلاف
    بإسلوبك الجميل ياسيدي الكريم
    تقبل مروري اول مره اعلق على مقال لك

  10. مبددددددددع اخ شتيوي والله انتظر مقالاتك بفارغ
    الصبر
    يعجبني أسلوبك الساخر لتوصيل المعنى
    ويعجبني الموضوع اللي تتناوله بالطرح
    والله العظيم يوم اقراء مقالاتك اتونس وترتسم
    البسمه على شفاتي وأحيان والله اضحك لدرجة
    ألفت انتابه من حوالي

  11. كانت الكهرباء ووصولها الى البيوت حلم يراودنا وكنا نتحسر على جيراننا من المدن والقرى الاخرى ممن توفرت لديهم الكهرباء
    لانسى ذلك اليوم الذي تم ايصال التيار الى بيوتنا كنا فرحين واي فرح
    فقط نحتاج الى شي من التوعية في الاستهلاك وترشيد استخدام الكهرباء
    كل التقدير لك اخي شتيوي على المقال الرائع
    ذكرتني فيه باشياء اصبحت من الماضي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية