الوعي المزيف … الربيع العربي نموذجا
في الأساطير القديمة يحكى أن صقرا ولد في حظيرة دجاج ، ومع مرور الزمن بدأ يتشكل وعي لدى هذا الصقر بأنه ينتمي لهذه المجموعة من الطيور ، وبدأ يتعايش معها ، إلا أنه عندما ينظر للسماء ويرى الطيور المحلقة يساوره شك في صحة انتماءه لهذه المجموعة ، وعندما صرح برغبته في الانفصال عن هذه الفصيلة الشاذه عنه في نظره ، وأنه يرغب في التحليق ، اتهم بالجنون والانحراف ، وبذلت مجموعة الدجاج جهود مضنية في علاج الصقر واقناعه بأنه دجاجة ولايمكن أن يطير.
استسلم الصقر لهذا التفكير الجمعي وعاش مع الدجاج ومات طبعا ميتة الدجاج .
هذا مختصر لأسطورة تثار دايما عند طرح فكرة الوعي المزيف ودور المجتمع في تكريس هذا الوعي عن عمد أو غير عمد.
تزييف الوعي يأتي من خلال السيطرة على الوعي الجماعي ثم التحكم فيه وبالتالي توجيهه وفق أجندات وأفكار وتوجهات تخدم الفئة المسيطرة على ذلك الوعي .
وأقرب مثال يجسد مفهوم الوعي المزيف هو مايعرف بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير .
والذي أطلقت شرارته الأولى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عام 2006 في الجملة الشهيرة ( الفوضى الخلاقة التي تنتج شرقا أوسطيا جديدا ) .
ولأن الإنسان العربي متعطش للديمقراطية ، وفي بعض دولنا العربية جائع للحرية والكرامة كما في سوريا ، فقد تلقف بكل حب وحماس هذا الخطاب الأميركي السياسي ، والمعلن فيه صراحة : تحويل الشرق الأوسط إلى منارة للديمقراطية بعد إحداث فوضى كبيرة ولكنها خلاقة !!
وهنا الفخ أو المصيدة. .. فمن آمن بهذا المفهوم السطحي والضيق والثانوي تشكل لديه وعي مزيف بحقيقة الأمور ، واستضافته كمحلل استراتيجي في احدى القنوات الفضائية أو تصنيفه ضمن الفئة النخبوية ، لا يعفيه من وقوعه في ذلك الفخ .
اما المدرك لبواطن الأمور ، والذي يملك وعيا حقيقيا غير مزيف فلدية قراءة ناجحة لمفهوم الشرق الأوسط الجديد أو الكبير وتشكلت لديه قناعة راسخة بأن هذا المشروع له أهداف عميقة ومصالح استراتيجية أكبر بكثير من هذا المفهوم السطحي.
ولنرى كيف تم ذلك …
بداية لا بد من تعريف مصطلح
الفوضى الخلاقة Creative Chaos
فهو مصطلح سياسي يقصد به حرفيا : تأسيس مرحلة فوضى متعمدة الأحداث يقوم بها أشخاص أو جهات معينه بدون الكشف عن هويتهم أو انتماءاتهم ، بهدف تعديل الأمور لصالح هؤلاء الأشخاص أو تلك الجهات.
وبما أن الإعلام التقليدي والحديث أيضا هما الركن الأساس في تشكيل الوعي لدى الأفراد والجماعات ، فقد كرست الولايات المتحدة الأمريكية كامل ترسانتها الإعلامية للسيطرة على فكر رجل الشارع العربي البسيط ومعه بعض مدعي الثقافة من أصحاب الكبرياء الأكاديمي المزيف أيضا .
فعملت هذه الترسانة من خلال القنوات الاخبارية العربية ذات السمعة المهنية المتميزة ومحطات الإذاعة والصحف والمجلات واستقطاب المفكرين والمحللين وعقد المؤتمرات والندوات ، عملت من خلال ذلك كله على تشكيل وعي جمعي مزيف مبني على قوة انتشار الفكرة وليس اصالتها .
بعد تشكل هذا الوعي الزائف بدأت التظاهرات السلمية البسيطة وشيئا فشيئا تحول هذا السلم إلى عنف ثم إلى مواجهات دامية سميت خطأ بالربيع العربي فكانت النتيجة فوضى غير خلاقة هدمت اوطانا عربية بكاملها ، وبسواعد أبنائها ، وأدت إلى مانراه اليوم في العراق وليبيا واليمن وسوريا .
وكنتيجة حتمية لذلك الخراب العربي ظهرت لنا المنظمات الإرهابية وتطور بعضهما إلى شبه دولة كما حزب الله اللبناني الذي أصبح دولة داخل دولة، وقويت شوكة إيران وبرزت داعش وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس وغيرها . فتشرذم الشرق الأوسط وانتشرت فيه الصراعات الأهلية والقتل حتى على الهوية الدينية أحيانا .
بعد هذا كله وبعد تحقيق أمنيات إسرائيلية لم تكن لتحلم بها ، مازال هناك من يظن أنه مدرك وراشد ويملك وعيا ومعرفة حقيقية ( غير مزيفة) تؤهله لأن يقود ثورة عربية اخرى تطيح بوطن عربي اخر بحجة الحريات وحقوق الإنسان .
ونسي هذا الأحمق أن الوعي الحقيقي في هذا الشأن يكمن في التصريح الشهير لرئيس مجلس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عندما قال : عندما يتعرض الأمن الوطني البريطاني للخطر فلا تحدثني عن حقوق الإنسان.
هذ هو الوعي الحقيقي … وعيا يأتي بعد تساؤلات خلف تساؤلات وبحث عن الحقيقة من مصادر متعددة واحيانا متباينة ثم اخضاعها للمنطق والتدبر فيها حتى يتبين لنا الحق ونحصل على معرفة واعية وإدراك حقيقي .
قال تعالى في سورة فصلت :
{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} .
nayif_ saeed@hotmail.com


مقال موفق جدا
مقال يصف الواقع بعقلانية
فعلا أحمق من يهدم بلده بيده
قلم مميز بارك الله فيك
الأخ الغالي الأستاذ/ نايف العطوي
لا غرابة في منطقية قرائتك للواقع وهذا ليس بمستغرب منك إضافة إلى الدبلوماسية العالية التي تتحلى بها أستاذي العزيز وبعيدا عن عنوان المقال الرائع ومضمونه الأروع كم نحن بحاجة ماسة لمثل هذا الطرح في علاج مثل هذه الموضوعات بواقعية ومنطقية بعيدة كل البعد عن التأثير الإعلامي المزيف
الأخ الغالي الأستاذ/ نايف العطوي
لا غرابة في منطقية قرائتك للواقع وهذا ليس بمستغرب منك إضافة إلى الدبلوماسية العالية التي تتحلى بها أستاذي العزيز وبعيدا عن عنوان المقال الرائع ومضمونه الأروع كم نحن بحاجة ماسة لمثل هذا الطرح في علاج مثل هذه الموضوعات بواقعية ومنطقية بعيدة كل البعد عن التأثير الإعلامي المزيف
قلم يلامس الواقع سلمت يداك
أفضل ماكتب عن نظرية الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الكبير
اكتشفنا فعلا أنها مؤامرة كبيرة على العالم العربي
شكرآ لقلمك الواعي وننتظر المزيد
قراءة سياسية عميقة تحكي حال الأمة
ليه كذا ياعرب
وين سوريا 2010 ووين سوريا الحين
ليس كل ماتقولوه امريكا صحيح
امريكا تتبع مصلحتها وانتم ماغير مدرعمين
وهاذي هي النتيجة
أصبح لدى صدى تبوك كوكبة رائعة من الكتاب
والله صحيفة تبوك هي الصحيفة التي تستحق المتابعة وهي الرائدة في المنطقة . والله لا أجامل . والدليل استقطابها لمثل هذا الكاتب
وكذلك غيره .
اشكر كاتب المقال وكذلك الصحيفة الموقرة
واقع أمتنا الحالي يحتاج الكثير من التثقيف والوعي السياسي
الأستاذ العزيز نايف سعيد
فكر راقي ووعي سياسي واضح بين طيات المقال
كونداليزا رايس تلك العجوز الشمطاء ومعها ديك تشيني ومايطلق عليهم الصقور في البيت الأبيض هم سبب هذه المآسي
سلمت أناملك
بارك الله فيك
المدرك لبواطن الأمور ، والذي يملك وعيا حقيقيا غير مزيف فلدية قراءة ناجحة لمفهوم الشرق الأوسط الجديد أو الكبير وتشكلت لديه قناعة راسخة بأن هذا المشروع له أهداف عميقة ومصالح استراتيجية أكبر بكثير من هذا المفهوم السطحي.
جزاك الله خير
احسنت وابدعت …
الله يحفظك ويرعاك.