من جدَّ …. ماذا وجد ؟؟
في بداية كل عام نجد أن كل شخص يضع لنفسه هدفاً أسمى ، أو عدة أهداف وإن كانت أدنى ، ونراه تلقائياً ودون أن يشعر يسلك الطرق التي توصله لتحقيق أهدافه ، ويبذل في سبيلها كل ما يستطيع ، وأحياناً ما لا يستطيع ؛ إن كانت الغاية تستحق فالوسيلة تهون ، فهو حريص على نيلها ، ولها سيظل بحراك دائم لا سكون ، ويقين ثابت أنه سيصل ولا تساوره الظنون ، وقد يحرم نفسه من ملذات الحياة مقابلها ، ليس من باب الجنون ، وإن كان جنوناً ، فللجنون فنون ، ويحكم بنفسه على أفعاله قبل أن يفعلها ، وهو برقابة ذاته مفتون ، ويحسب خطواته قبل أن يخطوها ، فإن خطاها أصبح بها مرهون ، ويفكر بأقواله قبل أن يتلوها ، فإن قالها صارت عليه بالظاهر والمضمون ، وكأن أهدافه سجنه المفضل ، وهو باختياره يظل بها مسجون … .
ولن يطلق سراحه منها ، إلا إن حلّ قيودها ، وحقق شروطها ، وسار وفق بنودها ، وشرع في تحقيقها ، وعمد إلى تدقيقها ، وتأكد من توثيقها ، ولاح في سماه بريقها ، وكتب اسمه ضمن فريقها ، وشع نوره في طريقها ، وصار طليقها بعد أن كان غريقها … .
وحينها يشعر أنه مقبل على حياة مختلفة ، بكل ما فيها ، فقد أصبحت معترفة بكونه فيها ، ومنكشفة لرؤيته معظم نواحيها ، ومؤتلفة بطموحها معه ليبنيها … .
فبعد أن كان يأخذ ، نراه اليوم يمنح … ، وبعد أن عاش يدرس ، أصبح الان يشرح ، وبعد أن ذاق الشقاء ، آن الأوان ليفرح ، وبعد أن بذر البذور ، حان يوم الحصاد وأصبح ، وصار صوت أذانه في الفجر يصدح … .
فجهده لشهور مضت بعد أيام سيثمر ، وسعيه الذي سعاه سيظهر ، وزرعه الذي سقاه سيزهر ، وبحجم عطائه وامتداده ، وبقدر بلائه واستعداده سيكون سعده بانتهائه ، وحسب حرصه واهتمامه ، سيكون جنيه و ارتوائه ، وأجر صبره واحتماله ، سيكون فخرا بارتداده ، ويصبح له ذخرا في بقائه وامتداده ، وسلاحاً يبقى رفيقا في جهاده ، وسينظر ليوم نجاحه ، كيوم ميلاده ، وكأن حياته ديناً واليوم وقت سداده … .
ولا يكون ذلك إلا لمن جد واجتهد ، وخطط واستعدّ ، وقوته من هدفه استمد ، وعزيمته حسب رغبته تُعَدّ ، فتصبح همتّه عالية دون حد ، وقدرته لا مجال لأن تُصد ، وسطوته بالعلم كيف لها تُرد ، وتطلعاته ستعلو به دون بُد ، وتريحه من الشقا والكد ، وتبني بينه وبين العثرات سد ، فقد عاش أمسه يفكر بالغد ، وأنقذ نفسه من أن يُصعِّر خدّ ، فاستحق عرسه والعروس المجد … .
فلا تسل ، من اجتهد بما وُعِد ، ومن جَدّ عما وجد … .
فما قدمه لا تعتبر تضحيات ، كما يظن البعض ، بل هي ثمنٌ بخس لسلعة لا تقدَّر بثمن .
وما يرى أنها تنازلات ، ليست بشيء أمام ما سيجنيه من راحة ، جني يديه دون شخصٍ قد يمُنّ …
وإن طالت أيام السهر بحسابه ، سينساها مع اللحظة التي سيقف بها النجاح ببابه …
وإن ملأت أوهام الكدر سحابه ، سيمحوها خبر نجاحه ، وستكف عن النباح كلابه … .
وإن ضاقت الدنيا بنظر صحابه ، ستتسع بهم وتحتويهم كما تحتوي المرء ثيابه ..
وإن ضاعت أوقاتهم بين الكتب ، سيرجع العاقل فضل نجاحه لما احتواه كتابه … .
هي أوقات قليلة ، وستمر …
ولحظات وإن كانت مرّة ، فمرُّها لا يضر ..
وشقاء وإن طال ، إلا أن النتيجة حتما ستسر … .
فافعل كل ما بوسعك ، ولا تدخّر جهدا ، فالفعل للجزاء يجر …
سمعناها كثيرا ، ورددناها ، وكانت الحكمة بالحقيقة تُقِر … .
بأن من جد وجد …
وأن من يزرع حصد …
وأن من يحلم يُرِد …
وأن من يرغب يكُد …
وأن من ينجح سَعِد …
وهاهم أبناؤنا …
كلهم يناضل في سبيل بقائنا …
و بعلمهم صاروا مشاعل بها تضاء دروبنا …
كالشمس تشرق بجهدهم فلا تريد غروبنا ..
هم عماد المستقبل ، بهم ننهي حروبنا …
وهم أساس البناء ، بعزمهم نستردُّ حقوقنا …
فيحق لهم الثناء ، بهم البقاء ، وهم لظامئنا ارتواء ، ولضائعنا اهتداء ، ولجائعنا الغذاء ، ولمحتاجنا عطاء ، من كساء أو غطاء أو دواء ، ولهم مع الفخر التقاء ، فموعدنا وموعدهم سواء ، سنلتقي وبالقمة اللقاء …
وحتى يحين لقاءنا ، سأترككم لتستعدوا للقاء ، فالاختبار وإن بدا لكم ابتلاء ، فهو السبيل إلى اكتفاء واغتناء ، فامنحوه ما يليقه من رعاية واعتناء ، واستغلوا ما مُنِحتم من ذكاء ، ولن أطيل أحبتي ، فإلى اللقاء …

