انتقل إلى المحتوى

لغتنا العربية.. هوية تُقاوم النسيان

في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية، غير أن هذا الاحتفاء يتجاوز كونه مناسبة رمزية، ليصبح سؤالًا مفتوحًا عن علاقتنا الحقيقية بلغتنا، ومدى حضورها في حياتنا اليومية، وتعاملاتنا، ومؤسساتنا التعليمية والثقافية.

اللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي وعاء رسالة وهوية أمة، وقد اصطفاها الله تعالى لحفظ كتابه الكريم، فكان حفظها جزءًا من حفظ الدين، كما قال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وهذا الشرف وحده كافٍ ليجعل من العربية لغة استثنائية في تاريخ الأمم.

وتتميّز اللغة العربية بقدرتها على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبثراء مفرداتها ودقة معانيها ومرونة أساليبها، الأمر الذي مكّنها عبر العصور من استيعاب العلوم والمعارف، والتكيّف مع متطلبات الزمن دون أن تفقد جوهرها أو جمالها. وهو ما عبّر عنه أمير الشعراء أحمد شوقي – رحمه الله – بقوله:
إن الذي ملأ اللغات محاسنًا
جعل الجمال وسرَّه في الضادِ.

ورغم هذه المكانة، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه اللغة العربية اليوم لا يأتي من الخارج بقدر ما ينبع من ممارساتنا اليومية، حين نهمّشها في التعليم، أو نستبدلها في التعاملات، أو نحصرها في قاعات الدراسة دون أن تكون لغة حياة. فاللغة التي لا تُستخدم، تضعف مهما بلغت عظمتها.

ومن حق لغتنا علينا أن نفخر بها ونعتزّ، وأن نغرس محبتها في نفوس أبنائنا منذ المراحل الأولى، وأن نعيد لها حضورها الطبيعي في المدارس والجامعات، وفي الإعلام، والإدارة، والخطاب العام. فالاعتزاز باللغة لا يتحقق بالشعارات، بل بالممارسة اليومية والالتزام الواعي.

ويُحسب للمملكة العربية السعودية اهتمامها المتنامي باللغة العربية، وفي مقدمة ذلك تأسيس مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، الذي يُعد خطوة مهمة في حماية اللغة وتعزيز حضورها، وتمكينها في مختلف المجالات محليًا وإقليميًا وعالميًا، بما يعكس وعيًا وطنيًا بدور اللغة في ترسيخ الهوية وتعزيز الانتماء.

إن اليوم العالمي للغة العربية ليس مجرد مناسبة للاحتفاء، بل فرصة حقيقية لمراجعة علاقتنا بلغتنا، وإعادة الاعتبار لها في واقعنا العملي، لأن الأمم لا تُقاس بقوة اقتصادها فقط، بل بقوة لغتها، وعمق ارتباط أبنائها بها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية