انتقل إلى المحتوى

فِكْرُ الأحذية (النَّعل)

في عام 1960م، وأثناء انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك، قام الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف بضرب طاولة الوفد بحذائه اعتراضًا على خطاب رئيس الوفد الفلبيني، الذي انتقد سياسة الاتحاد السوفيتي في أوروبا الشرقية واعتبرها سياسة استعمارية. ومنذ ذلك المشهد، ارتبط استخدام الحذاء بوصفه تعبيرًا عن الغضب، ووسيلة رمزية لإهانة الطرف الآخر، تختلف دلالتها باختلاف ثقافة الشعوب.

ولنا نحن العرب تاريخ طويل ومختلف في فهم «طقّ النعل» وطريقة استخدامه. فعندما قام صحفي عراقي معروف بثقافته ووعيه برمي حذائه على الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن خلال مؤتمر صحفي علني، عُدّ ذلك في الوجدان العربي فعلًا احتجاجيًا صريحًا، وتفريغًا لغضبٍ مكبوت تجاه ما رآه ظلمًا شنيعًا، وذلك — في نظر كثيرين — أضعف الإيمان.

وفي الثقافة العراقية والعربية عمومًا، يُعد الضرب بالحذاء أقصى درجات الاحتقار المعنوي، بينما قد يُفهم في الثقافة الغربية بوصفه تعبيرًا عن الحرية الشخصية التي يتغنّون بها، أو يُقارن — على نحوٍ سطحي — بحكايات رمزية مثل «حذاء سندريلا»، أو بالكعب العالي الذي أدخله لويس الرابع عشر إلى الموضة بوصفه رمزًا للسلطة.

وفي كتب التاريخ القديم، يُروى أن النمرود حين طغى وتجبر، ابتلاه الله ببعوضة دخلت أنفه واستقرت في رأسه، فصار يضرب وجهه بحذائه من شدة الألم طلبًا للراحة. ومن لطائف أهل النجف قولهم: «نتباسط بالمدس»، أي نتعارك ضربًا بالأحذية.

أما في مصر، فتأخذ «الجزمة» بُعدًا أشد في الإهانة والانتصار الرمزي. وتُروى حكاية شجرة الدر، التي قتلت زوجها عز الدين أيبك، سلطان المماليك، ضربًا بالقباقيب حتى لفظ أنفاسه. ثم جاء انتقام ضرتها «أم علي» بالطريقة ذاتها، ووزّعت الحلوى الشهيرة التي لا تزال تُعرف باسمها حتى اليوم، فرحًا بانتصارٍ تُوِّج ضربًا بالقبقاب.

وفي دول الخليج، يغيب الحذاء غالبًا ليحلّ مكانه العِقال، لقربه من اليد وسرعة تناوله، وربما احترامًا نسبيًا للمضروب. ويُستخدم ذلك في الغالب في المواقف الأسرية أو بين الأصدقاء بوصفه عقابًا رمزيًا غير رسمي. والمفارقة أن رفع العقال إلى الأعلى يُعد إشارة تقدير واحترام، في مشهد يعكس ازدواجية الرمز واختلاف السياق… فلكل ثقافة لغتها الخاصة.

وهكذا، يتضح أن فكرة ضرب الأحذية ليست وليدة العصر، بل ممارسة رمزية ضاربة في عمق الثقافة العربية، نأمل أن تبقى في إطارها الرمزي والتاريخي، وألا تتجاوز وظيفتها الطبيعية بوصفها لباسًا للقدم لا أداةً للغضب. وكيف يتحقق ذلك؟ الله أعلم.

وللنعل نصيب في الشعر العربي، إذ يقول محمود سامي البارودي في وصف قومٍ دنيئي الهمة:

كَيْفَ لا تَشْمَلُ الدَّنَاءَةُ قَوْمًا
نَشَأُوا فِي الصِّغَارِ حِينَ اسْتَهَلُّوا
هُمْ لَعَمْرِي أَذَلُّ مِنْ قَدَمِ النَّعْلِ نُفُوسًا
وَالنَّعْلُ مِنْهُمْ أَجَلُّ

أحمد عبدالعزيز الحميدي
باحث في الأدب والتاريخ العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية