من وهم السلام إلى عبء الاستقرار

منذ إعلان اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل عام 2020، لم يتعامل الصحفي البريطاني ديفيد هيرست مع الحدث بوصفه اختراقًا تاريخيًا في مسار السلام، بل اعتبره تحوّلًا بنيويًا في طبيعة النظام الإقليمي العربي. وعلى امتداد خمس سنوات، قدّم هيرست قراءة نقدية متماسكة ترى في هذا التقارب تحالف مصالح أمنية وسياسية، لا مصالحة تاريخية تنهي صراعًا ممتدًا.
ومن هذا المنطلق، رأى أن ما وقّعته الإمارات مع إسرائيل ليس سلامًا بين خصمين، بل شراكة بين طرفين يتقاطعان في رؤية واحدة للمنطقة، ويشتركان في خصوم محددين، ففي عام 2020، ركّز هيرست على الدوافع السياسية الضيقة التي أحاطت بالاتفاق. فالتطبيع، وفق تحليله، جاء في لحظة مأزق داخلي لكل من أطرافه الرئيسيين: إدارة أمريكية تبحث عن إنجاز انتخابي، وحكومة إسرائيلية مأزومة سياسيًا، ونخبة إقليمية تسعى إلى إعادة تموضع سريع في واشنطن. في هذا السياق، انتقل خطاب هيرست إلى توصيف التحول الأخطر: فللمرة الأولى، تحصل إسرائيل على تطبيع كامل من دولة عربية من دون أي التزام بوقف الاستيطان أو إنهاء الاحتلال أو حتى الدخول في مسار تفاوضي جاد. هذا التحول، في رأي هيرست، نصرًا استراتيجيًا لإسرائيل عجزت عن تحقيقه عبر الحروب.
أما في 2022، فقد ركّز هيرست على دور الإمارات بوصفها بوابة إسرائيل الإقليمية. ولم تعد العلاقة محصورة في الاقتصاد أو السياحة، بل امتدت إلى مجالات أعمق: التكنولوجيا الأمنية، الاستخبارات، والممرات البحرية. ويشير هيرست إلى أن الإمارات قدّمت لإسرائيل ما لم تحلم به سابقًا: تطبيع بلا شروط، وعمقًا سياسيًا واقتصاديًا يسمح لها بالتمدد في الإقليم العربي والإسلامي من دون أثمان سياسية تُذكر.وفي 2023، أصبح البعد الأمني والاستخباراتي في صلب خطاب هيرست. فالتعاون الإماراتي–الإسرائيلي، بحسبه، يهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، لا إلى احتواء تهديد بعينه. الادعاء بأن هذا التحالف موجّه فقط ضد إيران، يراه هيرست تبسيطًا مخلًا، إذ إن جوهر المشروع يتعلق بالسيطرة على الموانئ والممرات الاستراتيجية: البحر الأحمر، باب المندب، القرن الأفريقي، واليمن. إنها جغرافيا النفوذ، لا مجرد حسابات ردع.
لكن التحول الأبرز في خطاب هيرست جاء بعد حرب غزة في 2024. هنا، إسرائيل، في نظر هيرست، تحولت من شريك يُعوَّل عليه إلى عامل زعزعة إقليمي، يهدد بإشعال المنطقة بأكملها. وبدا أن الدول التي راهنت على التطبيع فقدت أي قدرة حقيقية على التأثير في السلوك الإسرائيلي، أو حتى تبريره أمام الرأي العام.
وبحلول 2025، يصل هيرست إلى خلاصته النهائية: التحالف الإماراتي–الإسرائيلي ليس تكتيكًا مؤقتًا، بل تقاطع استراتيجي طويل الأمد . غير أن هذا التقاطع، برأيه، محكوم بالتناقض؛ لأنه يقوم على القوة والردع وتجاهل العدالة، وهي عناصر قد تصنع نفوذًا مؤقتًا، لكنها لا تبني استقرارًا دائمًا.
ويرى ديفيد هيرست أن التطبيع، كما جرى، لم يُنهِ الصراع، بل أعاد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا. وربط استقرار المنطقة بمسار دولة ثبت تاريخيًا أنها لا ترى في السلام سوى أداة لإدارة الصراع لا لإنهائه.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي، كما يطرحه هيرست ضمنًا، ليس: هل نجح التطبيع؟ بل: كم سيستغرق الوقت قبل أن تتكشف كلفته الكاملة*
بقلم
ل/م
عبد الله بن كريم العطيات


ردان على “من وهم السلام إلى عبء الاستقرار”

  1. عبارة شكر وتقدير لكاتب مقال «من وهم السلام إلى عبء الاستقرار» ….اللواء /عبد الله كريم العطيات
    على الطرح الواعي والتحليل العميق، الذي عكس فهمًا دقيقًا للواقع بأسلوب مهني رصين. مقال ثري أسهم في تعزيز الوعي وإثراء النقاش الفكري

  2. الصورة الرمزية لـ عوده فرحان المصبحي
    عوده فرحان المصبحي

    مقال احترافي شخص الوضع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *