يطلّ علينا الهلال كل عام، لا كإعلانٍ زمني فحسب، بل كصافرة انطلاق لرحلةٍ غائرة في أعماق الروح ، ومع كل خيط ضوءٍ يسكن مآذننا، نجد أنفسنا نقف أمام “رمضان” جديد، لا يشبه الذي سبقه؛ فالسنة التي مضت قد تركت فينا تجارب، وزرعت في عقولنا أفكار ، وجعلت من أرواحنا نُسَخًا مختلفة تستشعر الجوع والظمأ والسكينة والرحمة الإلهية بلونٍ لم تألفه من قبل.
إننا في كل موسم، نحاول “سبر أغوار” هذا الشهر؛ نتساءل: هل الصيام مجرد كفٍّ عن الطعام؟ أم أنه عملية “تطهير كيميائية” هل هو تطهير للجسد فقط ؟ أم أيضًا للمشاعر العالقة؟
نحن نتحسس معانيه كما يتحسس الأعمى ملامح وجهٍ يحبه، نغوص في بحر الصمت لنفهم ما الذي يريد الجوع أن يخبرنا به عن أنفسنا ؟!
إننا نحاول، وبكل ما أوتينا من دهشة، أن نفك شفرة تلك السكينة التي تنزل على قلوبنا فجأة، لنتصالح مع ذواتنا ومع العالم من حولنا.
في كل رمضان، نرفع شعار “النسخة الأفضل”
نرسم في خيالاتنا صورة لتلك الذات المثالية المتسامحة، الصبورة، والقريبة من الله
نسعى لتهذيب الشوك الذي نَما في حقول أرواحنا طوال العام، ونحاول جاهدين أن نكون أكثر إنسانية، وأكثر وعيًا، بأوجاعنا ، وبأوجاع الآخرين، وبحقيقة وجودنا.
ولكن، هل صدقًا نحاول؟
هذا السؤال هو “المحك” الحقيقي
هل محاولاتنا هي سعيٌ حقيقي نحو التغيير، أم أنها مجرد “طقوس معلبة” نمارسها بدافع العادة؟ هل نحن في سباقٍ مع الروح، أم في استراحةٍ مؤقتة من ضجيج الحياة قبل أن نعود إليها بذات الوجوه؟
الصدق في المحاولة يتجلى في تلك اللحظات التي لا يراها أحد؛ في دمعةٍ تسقط خفية ندمًا على تقصير، في يدٍ تمتنع عن أذى وهي قادرة، وفي قلبٍ يقرر أن يفرغ مساحاتٍ للحُب بدلًا من الضغينة.
رمضان هو المختبر الذي نختبر فيه صدق نوايانا في أن نكون “بشرًا” كما أراد لنا الله تعالى أن نكون.


اترك تعليقاً