
اقترن الإنسان العربي منذ القدم بسلاحه واهتم به الى درجة التفاخر والمباهاة وبفضل مبدأ تطوير السلاح الذي وضعه الرسول محمد عليه الصلاة والسلام بنفسه، كان العرب من بعده يحرصون على تطوير سلاحهم بالعلم والتجربة حتى جاء يوم من الأيام أصبح السلاح العربي مضرب الامثال في الجودة والمتانة والكفاءة. ومن ذلك صناعة الصُلب العربي المصنوعة منه الأسلحة، وقد ظلت صناعة الصُلب العربي وخاصة صناعة السيوف سراً لا يعرفه الغرب ولم يكتشف الا من عهد قريب عندما أعلنت احدى الجامعات الأمريكية انها توصلت الى تحليل معدن السيوف العربية القديمة.
اما اليوم فقد برعت دول الغرب بتطوير السلاح على شتى انواعه وتقنياته وأصبحنا نحن العرب نستورده منهم بل ونتفاخر باستخدامه لأغراضه المتعددة والمعروفة، وقد لفت انتباهي نوع البندقية الاثرية في الصورة خلف الملك سلمان حفظه اللّٰه من نوع “الموزر” او الميزر (Mauser) الألمانية الصنع والتي دخلت الجزيرة العربية عام 1914م بطلب من إمارة ال الرشيد بحائل والمشهورة باسم “سلاح ابن ليلى” وقتها وكانت من أحدث الصناعات مما ادى لانتشارها.
وجاء ذكر الموازر كثيرا بالشعر والاهازيج كقول الشاعر:
يامزونٌ هلهلت بأيمن طميه … واختلط ضرب الموازر بالعسامي
ويقول اخر:
عيدنا ضرب الموازر كل هيه … يم رجوم الموت لاجته الغشاني
ومن أنواع الأسلحة المعروفة في بلادنا والتي أصبحت من التراث ولها في الذاكرة الشيء الكثير مثل نوع “المقمع”
والتي تعبأ بملح البارود كقول الشاعر: ياصاحبي لا تحسبن “المقمع” تهدم النير.
أم “فتيلة” ذات الماسورة الطويلة وتعمل بإشعال الفتيلة لأثارة البارود واصابة الهدف وام إصبع لها ذراع بحجم الاصبع لفتح موضع ايداع الذخيرة وأم خمس أي عدد طلقاتها خمسة متتالية.. ويذكر ان الملك عبد العزيز رحمه اللّٰه كان لديه بندق يطلق عليها اسم “عوافية” من نوع موزر يستخدمها ايام حروبه لكنه كان يستغني عنها بالسيف ومن أشهر سيوفه المعروفة السيف “رقبان”.
وفي وصف البنادق يقول فراج القرقاح:
لي بندقٍ ما صنعها الصانع التالي … من دقة المرك نحال خشايبها
ويذكر أن راشد الخلاوي كان يملك بندقاً وعندما أحس بدنو أجله قام بإخفاء تلك البندق في مكان آمن وكتب .
هذين البيتين وأمر زوجته أن تخبر بهما ابنه إذا أصبح شابا وعندما كبر أخبرته والدته واستطاع ان يهتدي للموقع بعد مشقه وهو ما يعرف الآن بـ دحل الهدسي في الصّمان وأستخرج منه البندق:
عن طلحة الجودي تواقيم روحه … عليها شمالي النسور يغيب
وعنها مهب الهيف رجمٍ وفيضه … وحروري ان كان الدليل نجيب
وفي “حرب الحصار” سنة 1270 هـ التي دارت بين أهل عنيزة والإمام عبد اللّٰه الفيصل يصف شاعر عنيزة علي بن رشيد الخياط من ضمن قصيدته المشهورة مفتخراً ببندقيته:
لي بندقٍ ترمي اللحم لو هو بعيد … ما وقفت بالسوق مع دلالها
خماسي رصاصه ستة اشبارٍ تزيد … ملح الجريف امحيّلٍ يعبا لها
وبعد وفاته بقيت بندقيته حتى أهداها أحد أبنائه إلى الملك سعود وكذا سيفاً من سيوفه كما ذكر في مخطوطة العبيّد.
وفي بعض المدن العربية غالباً ما يكون للسلاح سوق لبيع وشراء الأسلحة كوصف صاحب الابيات عن شراء بندقية غالية الثمن لجودتها:
ولي بندق رميها يغدي غثا بالي … ومخضّب عقبها من كف صاحبها
اللّه يرحمك ياعودٍ شراها لي … من واحدٍ جابها للسوق جالبها
شراها لي بالذهب لو سعرها غالي … بمية وعشرين مايفهق بغايبها
ويصف العامة الشخص البارع في الصيد او الرماية بـ”البواردي” لأنه امتاز عن غيره بخصالٍ كقوة النظرة وصفائها ووضوحها وتعلمه أصول الرماية ببراعة وعكس ذلك وصف الخائن والغير مؤتمن بمسدس “أبو محالة” الذي لا يحتوي على زر الأمان لمنع إطلاق الرصاصة.
واليوم تعد البنادق التقليدية القديمة والأسلحة بشتى انواعها لوحات فنية رائعة بعد أن كانت سلاح الأجداد أصبحت الآن زينة لدى الأحفاد الذين وضعوها في صدور المجالس لغايات كثيرة فضلاً عن إحتلالها موقع الصدارة في المتاحف المختلفة في أغلب دول العالم.
أحمد عبدالعزيز الحميدي
باحث في الأدب والتاريخ العربي

اترك تعليقاً