كلما أقبل موسم الحج، عادت الذاكرة بأهالي تبوك إلى زمن كانت فيه رحلة الحج حدثا استثنائيا يترقبه الجميع، وتتحول معه البيوت والأحياء إلى مشاهد من الفرح والدعوات واللقاءات التي تحمل الكثير من المحبة والوفاء.
ومن الشخصيات التي ارتبط اسمها بتلك الذكريات الجميلة المرحوم بإذن الله الحاج عبد الكريم بن محمد الفاير، المعروف لدى كثير من أهالي تبوك عامة، وحي الخالدية خاصة، إذ أمضى أكثر من ثمانية وعشرين عاما في خدمة الحجاج ومرافقتهم لأداء فريضة الحج، في زمن كانت فيه الطرق شاقة، والرحلات طويلة، والخدمات أقل مما هي عليه اليوم.
كان رحمه الله يحرص على أداء فريضة الحج سنويا بصحبة أقاربه ومعارفه وجيرانه، متحملا مسؤولية النساء والأطفال وكبار السن، ساعيا إلى تيسير هذه الرحلة المباركة لمن حوله. ولم يكن يكتفي بمرافقة الحجاج، بل كان حاضرا في كل ما يحتاجونه من مساعدة وعون طوال الرحلة.
واشتهرت سيارته من نوع فورد هاف أحمر موديل 1965م بين الأهالي حتى أصبحت تعرف باسم «وانيت الحجاج المبروك»، إذ كانت تحمل في بعض الرحلات أكثر من 18 راكبا، إضافة إلى الخيام ومستلزمات السفر والطعام وكل ما يحتاجه الحجاج في رحلتهم إلى المشاعر المقدسة.
وفي تلك السنوات، كانت عودة الحجاج مناسبة اجتماعية ينتظرها الجميع بشغف. وكان أهالي تبوك يصعدون إلى أسطح المنازل ويراقبون الطرقات ترقبا لوصول أقاربهم وأحبتهم، فيما ترفرف الأعلام وتتعالى عبارات الترحيب والدعوات بقبول الحج وسلامة العودة.
وعندما يعود الحاج عبد الكريم رحمه الله من رحلته، كان يستقبل المهنئين بوجه بشوش وروح مرحة عرف بها بين الناس، ويحرص على توزيع هدايا الحج التي كانت تحمل قيمة معنوية كبيرة آنذاك، مثل سجاد الصلاة والمسابح وتمر المدينة وماء زمزم إن توفر، إلى جانب بعض الحلويات الشهيرة مثل الراحة «الحلقوم» وحلوى «السلفان» القادمة من الأردن.
كما اعتاد أن يكرم ضيوفه وأصدقاءه بعنب بستانه المعروف بطعمه المميز، في صورة تجسد قيم الكرم والمحبة التي اشتهر بها أبناء ذلك الجيل.
وكان رحمه الله يلبي دعوات الولائم والمجالس بعد عودته، فيروي للحاضرين قصص الرحلة ومواقفها المختلفة، بأسلوبه العفوي المحبب الذي لا يخلو من الطرافة وخفة الظل. ومن المواقف التي كان يذكرها لقاؤه بالفنان الكوميدي محمد رضا أثناء السعي، حيث تبادلا الحديث والمزاح وسط أجواء من الألفة والابتسامات، وبقيت تلك الحكاية من المواقف التي يرويها لمن حوله لسنوات طويلة.
واليوم، ومع تعاقب الأعوام وتغير وسائل السفر والخدمات، تبقى تلك الذكريات جزءا من الذاكرة الاجتماعية لأهالي تبوك، وشاهدا على مرحلة جميلة امتزجت فيها مشقة الطريق بصدق العلاقات وقوة الترابط بين الناس.
وما هذه السطور إلا محاولة لاستحضار جانب من سيرة جيل صنع ذكريات الحج والمحبة والتكافل، وترك أثرا طيبا ما زال حاضرا في ذاكرة أهل تبوك حتى اليوم. نسأل الله أن يرحم الحاج عبد الكريم بن محمد الفاير، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم، وأن يرحم أبناء جيله الكرام وجميع موتى المسلمين، ويتقبل من الحجاج حجهم وصالح أعمالهم.
أبيات بسيطة جادت بها القريحة:
هلت بشاير العيد والخير باين
بقدوم حجاج الحرم وابن فاير
اهلا هلا باللي لفى والكل عاين
بالخير والتقوى وطيب السراير
أحمد عبدالعزيز الحميدي
باحث في الأدب والتاريخ العربي

اترك تعليقاً