ظل الذئب حاضرًا في الذاكرة العربية بوصفه واحدًا من أكثر الحيوانات ارتباطًا بالصحراء، فجمع بين الهيبة والخشية، وحضر في الأمثال والأشعار والقصص بوصفه رمزًا للقوة والدهاء والصبر والجرأة.
ومن هذه الصورة جاءت أوصاف كثيرة في الموروث الشعبي، فكان الرجل الشجاع يوصف بأنه «ذيب»، وتقال عبارات مثل: «يا ذيبان» و«ذيب العيال» و«ذيب أمعط»، في إشارة إلى الإقدام والنجدة وحسن التصرف.
ولم يغب الذئب عن الأدب العربي ولا عن النص القرآني، فقد ورد ذكره في قصة يوسف عليه السلام، حين زعم إخوته لأبيهم يعقوب عليه السلام أن الذئب أكله. ومنذ ذلك الحين ظل الذئب حاضرًا في المخيلة العربية، وإن كان بريئًا من التهمة التي ألصقت به في القصة.
لكن الذئب لم يكن في الجزيرة العربية مجرد صورة أدبية أو رمز شعري؛ فقد كان جزءًا من البيئة الطبيعية، وكانت مواجهته أحيانًا واقعًا تفرضه الحياة على سكان البادية والأطراف القريبة من التجمعات السكانية.
واقعة هزّت تبوك
ومن الوقائع التي تناقلها أهالي تبوك حادثة وقعت عام 1372هـ، إبان إمارة الأمير خالد بن أحمد السديري، حين وصل إلى مقر شرطة تبوك أحد أبناء البادية مستغيثًا بقائد الشرطة آنذاك، الرائد جميل بن أحمد ألطف، بعد أن اختطف ذئب طفلته الرضيعة من داخل خبائه أثناء نوم الأسرة في أطراف البلدة.
وكانت البادية في تلك الفترة تقيم بالقرب من البلدة خلال موسم جني التمور، في مشهد يعكس طبيعة العلاقة بين أهل البادية والحاضرة، وما كان يجمعهما من تبادل للمنافع.
وبمجرد تلقي البلاغ، تحرك الرائد جميل ألطف مع عدد من رجاله إلى موقع الحادث، يرافقهم أحد قصاصي الأثر، الذي بدأ تتبع آثار الذئب حتى وصل إلى الهضيبة الكبرى، التي كانت آنذاك خارج نطاق البلدة.
وهناك عثروا على بقايا من ملابس الطفلة وأطرافها، في مشهد ترك أثرًا بالغًا في نفوس من شاركوا في البحث.
ولاحظ قصاص الأثر أن الذئب كان أعرج، فصدر الأمر بتشكيل مجموعة من الجنود المسلحين لتعقبه، واتجهت آثاره نحو جبال رايس في تبوك.
وشارك في البحث عدد من أبناء المنطقة، من بينهم سليم بن سليمان الغريض، رئيس البلدية، ومحمد بن غنام الحميدي من الإمارة، رحمهما الله.
وانتشر الرجال بين الجبال بحثًا عن الذئب، فيما أدت حركة المطاردة والضجيج إلى خروج عدد من الذئاب من مخابئها، إلا أن الحملة لم تتمكن في ذلك اليوم من إصابة الذئب المطلوب، فعاد المشاركون مع حلول المساء.
ولم تتوقف المطاردة عند ذلك، إذ نُظمت حملة تمشيط أخرى للمنطقة، انتهت، بحسب الرواية المتداولة، بالقضاء على الذئب المطلوب وعدد من أفراد القطيع.
وهكذا تحولت الواقعة إلى واحدة من القصص التي بقيت حاضرة في ذاكرة تبوك، ليس لأنها حادثة مع ذئب فحسب، وإنما لأنها تنتمي إلى زمن كانت فيه الصحراء أكثر قربًا من الإنسان، وكانت مواجهة الحيوانات المفترسة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
**يا ذيب ماكل.. المغازي عوافي
ولا كل يوم يدسم.. الدم نابك
مرّه تصيد وتاخذ.. الحق وافي
ومرّه يصير الصيد.. حضرت جنابك**
الذئب في الشعر العربي
ومع قسوة بعض الوقائع التي ارتبطت بالذئب، بقي له حضور لافت في الشعر العربي، واستُخدم رمزًا للكرامة والإقدام والصبر وعزة النفس.
ومن الأبيات المنسوبة إلى الشريف بركات:
يا ذيب عاهدني وأعاهدك ما رميك
مرميك أنا يا ذيب لو زان مرماك
والنفس خالف رأيها قبل ترميك
ترى لها الشيطان يرمي بالأدراك
كما ارتبط اسم الذئب بقصيدة الشاعر شالح بن هدلان في رثاء ابنه ذيب:
يا ذيب أنا بوصيك لا تأكل الذيب
كم ليلةٍ عشاك عقب المجاعة
كم ليلةٍ عشاك حرش العراقيب
وكم شيخ قومٍ كزته لك ذراعه
وفي التراث العربي قصة أخرى تختصر العلاقة المعقدة بين الإنسان والذئب. فقد روت الحكاية أن أعرابية عثرت على جرو ذئب صغير، فأشفقت عليه وربته في خبائها، وأرضعته من لبن شاتها حتى اشتد عوده. لكنه، عندما كبر، انقض على الشاة التي كانت سببًا في بقائه وقتلها.
عندها قالت متحسرة:
بَقَرْتَ شُوَيْهَتِي وَفَجَعْتَ قَلْبِي
وَأَنْتَ لِشَاتِنَا وَلَدٌ رَبِيبُ
غُذِيتَ بِدَرِّهَا وَرُبِيتَ فِينَا
فَمَنْ أَنْبَاكَ أَنَّ أَبَاكَ ذِيبُ
وإن كانت هذه الحكايات تنتمي إلى الموروث الشعبي والأدبي، فإنها تكشف كيف نظر العربي إلى الذئب باعتباره مخلوقًا يجمع بين القوة والدهاء، وبين الخطر والقدرة على البقاء.
ذاكرة لا تزال حاضرة
لم يكن الذئب في الجزيرة العربية مجرد حيوان مفترس؛ فقد أصبح مع مرور الزمن جزءًا من اللغة والخيال والشعر والحكاية. أطلق العرب اسمه على الشجاع، واستحضروه في الأمثال، ووصفوا به صفات القوة والدهاء والاعتماد على النفس.
وفي تبوك تحديدًا، بقيت قصة الذئب الذي اختطف طفلة عام 1372هـ واحدة من الروايات التي تختزن جانبًا من الحياة في مرحلة كانت فيها حدود البلدة أقل اتساعًا، وكانت الجبال والصحراء أقرب إلى مساكن الناس، وكانت مواجهة الطبيعة ومفترساتها واقعًا لا حكاية بعيدة.
وبين ذئبٍ حملته قصائد العرب رمزًا للشجاعة، وذئبٍ عاش في جبال تبوك وارتبطت به واقعة مؤلمة، تبقى صورته في الذاكرة العربية مزدوجة: هيبةٌ في الشعر، وخشيةٌ في الصحراء، وحكاياتٌ بقيت تتناقلها الأجيال.
أحمد عبدالعزيز الحميدي
باحث في الأدب والتاريخ العربي


اترك تعليقاً