اتفاقُ العِزِّ والكرامةِ في مكة

من بطحاء مكة انطلقت رمزية اللقاء لثلاثة دول بثقلها السياسي والعسكري ،في معادلة ردع إقليمية جديدة ،هوية واحده ورؤية واحده وإرادة دفاعية واحده، حيث الأممُ تُقاسُ بلحظاتِ وعيها الكبرى؛ تلك اللحظات التي تُدرك فيها أن التاريخ لا يفتح أبوابه للمترددين، وأن الفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا، بل يسكنه الطامعون.ومن مكة يبدأ حديثٌ آخر.
فليس المكانُ هنا مجرد جغرافيا، بل ذاكرةُ أمةٍ، وقبلةُ قلوبٍ، وشاهدٌ على أن أعظم التحولات تبدأ من حيث تلتقي الإرادة بالقيمة. ولذلك، فإن اتفاق مكة للدفاع المشترك لا يبدو حدثًا عابرًا في روزنامة السياسة، بقدر ما يبدو إعلانًا عن ميلاد مرحلةٍ جديدة، تُسترد فيها المبادرة بعد أعوامٍ طويلةٍ من الاكتفاء بردود الأفعال.لقد علّمتنا السنوات الماضية أن الفراغ لا يبقى صامتًا؛ فهو يستدعي من يملؤه. وحين غابت المعادلة العربية الجامعة، حضرت الميليشيات، وتكاثرت الأذرع الولائية، وارتفعت راياتٌ لا تعرف للدولة حرمة، ولا للوطن قداسة، حتى غدت بعض العواصم تُدار من خارج حدودها، وصار القرار الوطني أسيرًا لبندقيةٍ لا تخضع لسلطان الدولة، ولا تعترف إلا بمن يمولها ويأمرها.ولم يكن الخطر يومًا في كثرة السلاح، بل في غياب الدولة؛ فحين تتراجع الدولة، تتقدم العصابة، وحين يضعف القانون، يرتفع صوت الميليشيا، وحين تتفرق الإرادات، تتكاثر الخرائط التي يرسمها الغرباء.لهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الاتفاق ليست في ما يحمله من ترتيباتٍ دفاعية فقط، بل في ما يعلنه من تحوّلٍ في الوعي؛ وعيٍ يقول إن أمن المنطقة لا ينبغي أن يبقى رهينةً لموازين القوى الخارجية، ولا ساحةً تتقاطع فيها مشاريع الآخرين، بل مسؤوليةٌ تصنعها إرادةٌ تعرف أن السيادة لا تُستورد، وأن الاستقرار لا يُمنح، وأن الأوطان التي لا تحرس نفسها، يكتب الآخرون مستقبلها.ولأن مكة تعرف معنى الاجتماع، جاء الإعلان منها وكأنه يرد الاعتبار إلى فكرةٍ غابت طويلًا؛ بأن قوة الأمة لا تبدأ من فوهة المدفع، وإنما تبدأ من وحدة القرار. فما أكثر الحروب التي كسبت معركةً وخسرت أوطانًا، وما أعظم الاتفاقات التي ربحت المستقبل لأنها سبقت الرصاص بالحكمة، وسبقت الانقسام بالإرادة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على عتبةٍ لا تشبه ما قبلها. فالعالم يعيد ترتيب خرائط النفوذ، والإقليم يعيد تعريف مصالحه، ولم يعد في السياسة مكانٌ للدول التي تكتفي بمراقبة الأحداث. ومن لا يصنع موقعه في لحظة التحول، يجد نفسه موضوعًا على هامشها.
ولعل أعظم ما في هذا الاتفاق أنه لا يدعو إلى صناعة حرب، بل إلى منعها؛ ولا يؤسس لهيمنة، بل لتوازن؛ ولا يفتح بابًا لصراعٍ جديد، بل يسعى إلى إغلاق الأبواب التي دخلت منها الفوضى إلى العواصم العربية. فالأمن الحقيقي ليس أن تنتصر دولةٌ على أخرى، وإنما أن تنتصر الدولة على الفوضى، وأن ينتصر القانون على السلاح المنفلت، وأن ينتصر المستقبل على رهانات الخراب.
وسيأتي يومٌ يقرأ فيه المؤرخون هذه اللحظة، فلا يقفون طويلًا عند أسماء الموقعين، ولا عند عدد البنود، بل عند معناها. سيكتبون أن أمةً أنهكتها الصراعات أدركت أخيرًا أن عزتها لا تُستعار، وأن كرامتها لا تُستأجر، وأن الأمن لا تصنعه العواصم البعيدة، بل تصنعه الإرادات التي تعرف أن الأوطان لا تُحمى بالشعارات، وإنما بوحدة المقصد، وصلابة القرار، وصدق العزم.
ولعل التاريخ لن يقول إن اتفاقًا وُقِّع في مكة بل سيقول إن مكة،كما كانت يومًا منطلق رسالةٍ أخرجت الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الحضارة، فانها في هذه المرة منطلق إرادةٍ لتُخرج المنطقة من فوضى الميليشيات إلى هيبة الدولة، ومن زمن الاستباحة إلى زمن السيادة*
بقلم
ل/م
عبد الله بن كريم العطيات


ردان على “اتفاقُ العِزِّ والكرامةِ في مكة”

  1. الصورة الرمزية لـ سجدي العطاوي
    سجدي العطاوي

    طرحٌ رصين ومقالٌ موفق، أحسن فيه الكاتب عبد الله بن كريم العطيات قراءة دلالات «اتفاق مكة» وأبعاده في توحيد الصف وصون الأمن والكرامة. مقال يستحق الإشادة والتقدير.

  2. الصورة الرمزية لـ ناصر محمد الاحمدي
    ناصر محمد الاحمدي

    إبداع في مقال يستحق الاشادة بقيادة النابغة والمهم ولي العهد حفضه الله
    ولك ايها الكاتب الموقر كل الشكر والتقدير والاحترام على إبداعك في تحليلك المتكامل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *