انتقل إلى المحتوى

عدالة عبد العزيز ويومنا الوطني المجيد الـ 96 ..

يصف الشاعر زهير بن أبي سلمى، وهو من عظماء شعراء الحكمة حاله قائلاً:
ومن لم يُذدْ عن حوضه بسلاحِهِ يُهَدَّم
ومن لا يظلمِ الناسَ يُظْلم

وكذلك يقول الشاعر راشد الخلاوي:
ومن لا يرد الضد بالسيف والقنا
ويحمي الحمى جارت عليه ثعالبه

ومن تنظيرات الفيلسوف الألماني «نيتشه» قوله: إن العدالة هي القوة. ولذلك عندما تغيب الشرائع السماوية والقوانين الوضعية والقيم الأخلاقية، تصبح العدالة هي القوة، ويتحاكم الناس إلى شريعة الغاب، ويصبح الأقوياء وأصحاب النفوذ هم من يصوغون تلك القوانين، وقد يفتخر الناس بأمور نراها في حقيقتها صورًا من الظلم.

والمثال على ذلك أن من يطّلع على تاريخ البادية في القرون المتأخرة، يجد أن مثل هذه المفاهيم انعكست مرة أخرى فأصبح الأخذ بالقوة وفرض النفوذ وحماية الأرض والمورد من الأمور التي كانت تُعدّ آنذاك نوعًا من العدالة في عرفهم.

في إحدى معارك قبائل شمر وعنزة قديمًا أرسل الشيخ سعدون العواجي قصيدة إلى الشيخ مسلط التمياط، قائلاً:

ياراكب اللي ما لهجها الجنينا
ماهي وحدها ثامنة له ثمانا
تلفي لمسلط ترثة الغانمينا
قل ارحلوا عن جوكم صار مانا

ومعنى هذه الأبيات أنه بدأ بالمدح، ثم أوضح أن المكان ومورد الماء الذي يخصكم أصبح لنا وأننا سنأخذه بالقوة .. لأن الاحتكام إلى شريعة الغاب هو السائد في ذلك الوقت.

وكان الغرض من أخذ المكان والأرض لأجل أن ترعى فيه الإبل التي سُلبت بالقوة من قبيلة أخرى فيقول:

نبي ندله مقرعات الحنينا
أذواد من رعي المخافة سمانا
هم بورث اجدودنا الأقدمينا
كسب بالأيدي من حلايب إعدانا

ومعنى ذلك أنه يريد أن يرعى إبلًا لم تكن في الأصل ملكًا له وإنما اكتسبها من قبيلة أخرى عن طريق السطو والغلبة وحد السيف لأن تلك المفاهيم هي السائدة في ذلك الزمن وكان بعضهم يعتقد أن ما يحققه بالقوة هو نوع من العدالة.
والحقيقة أن ذلك ليست عدالة بالمطلق وإنما هو نتيجة لسيادة الجهل وغياب المفاهيم الشرعية الواضحة وعدم وجود نظام وقانون يحتكم إليه الجميع، الأمر الذي جعل القوة هي الفيصل في كثير من النزاعات.

ظهور بطل تاريخي صحح المفاهيم وأسس دولة نموذجية ..

لكن مع ظهور الملك عبد العزيز ذلك الرجل الذي قلّ أن يفعل فعله الملوك أو الأبطال أو القادة انتهى عصر الفوضى وحكم الغاب وبدأ عصر جديد يقوم على الحكم الشرعي والنظام فأصبح الناس يحتكمون إلى شرع الله ورد المظالم إلى أهلها والقضاء على كثير من النعرات والعصبيات القبلية والإقليمية.

واستطاع الملك عبد العزيز أن يؤاخي بين الناس وأن يرسخ مبدأ المساواة بينهم أمام النظام لتصبح الدولة هي المظلة التي يستظل بها الجميع ويكون الحكم فيها قائمًا على الشرع والعدل والنظام لا على قوة القبيلة أو نفوذ الفرد.

ويختصر الشاعر بندر بن سرور في أبياته الشعرية بعض ماقام به الملك عبد العزيز من كفاح تجاه دولته وشعبه قائلاً:
هو ما درى ان الجود يبغى تكاليف … سهر الليالي مقبلات مقافي
يبغى يدينٍ للعطايا مغاريف … ويبغي رجولٍ ما تمل الوقافي
والصبر بنحور السنين الشواحيف … اللي قساها مثل حد الرهافي
ما يقدرون الجود سود الأطاريف … مشاركة بيض النسا باللحافي
يقدر عليه اللي حكم نجد بالسيف … وأودع مباغيض القبايل ولافي
عبد العزيز اللي يبث المصاريف … يجدع قناطير الذهب بالفيافي

اليوم الوطني.. ذكرى توحيد وبناء ..

لقد كان توحيد المملكة العربية السعودية نقطة تحول تاريخية كبرى إذ انتقلت البلاد من حالة التفرق والنزاعات والخوف إلى دولة موحدة يسودها الأمن والاستقرار ويحتكم أهلها إلى الشريعة وتعليمات الدين الصحيح وأصبح الانتماء للوطن جامعًا لأبنائه بدلًا من أن تكون العصبية للقبيلة أو المنطقة هي الرابط الأقوى.

“تبوك” وخطاب تاريخي من الملك عبدالعزيز ..

مرفق أدناه خطابٌ يُنشر للمرة الأولى حصلنا عليه من ارشيف دارة الملك عبدالعزيز مشكورين على ذلك وفحواه يبشّر الملك عبدالعزيز وكيله الشيخ محمد بن عبدالعزيز العجاجي بفتح المدينة المنورة بقيادة الأمير محمد بن عبدالعزيز، إلى جانب تبوك والعُلا والحِجر، التي أصبحت جميعها تحت الحكم السعودي.
ويكشف الخطاب عن اهتمام الملك عبدالعزيز بأحوال السكان والرعايا الأجانب، وحرصه على ترسيخ الأمن والاستقرار في تلك المدن، بما يعكس طبيعة التعامل مع الأوضاع في تلك المرحلة التاريخية.

‎أحمد عبدالعزيز الحميدي
‎باحث في الأدب والتاريخ العربي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية