انتقل إلى المحتوى

السيوف التي لا تغمد

لم تكن المملكة العربية السعودية يوماً من دعاة الحروب، ولا من الدول التي تتخذ من استعراض القوة وسيلة لفرض النفوذ أو افتعال الصراعات، بل اختارت منذ تأسيسها نهجاً سياسياً يقوم على إرساء السلام من موقع القوة والاقتدار، وتغليب الحكمة دون التفريط في الحزم، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الأوطان لا تحرسه النوايا الحسنة وحدها، وأن السيادة لا تصونها الشعارات والمواقف المعلنة، وإنما تحميها إرادة سياسية حازمة، وقوة عسكرية رادعة، وقرار سيادي مستقل لا يقبل المساومة حين يتعلق الأمر بأمن الوطن وسلامة أراضيه ومصالحه العليا.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله، تعزز هذا النهج وترسخت معالمه ضمن رؤية استراتيجية واضحة، تقوم على أن السلام خيار ثابت لا يعني التنازل عن أسباب القوة، وأن الدبلوماسية نهج أصيل لا يلغي مشروعية الدفاع عن النفس، وأن ضبط النفس حين تقتضيه الحكمة ليس تراجعاً أمام التهديدات، وإنما تعبير عن ثقة دولة تدرك حجم قدراتها، وتمتلك من أدوات الردع ما يجعلها قادرة على حماية سيادتها وصون أمنها واستقرارها.
ولعل المواجهة مع الميليشيا الحوثية كانت من أبرز المحطات التي تجلت فيها هذه المعادلة على أرض الواقع؛ فحين امتدت التهديدات إلى حدود المملكة، وطالت الاعتداءات مدنها ومنشآتها الحيوية، لم يعد التعامل معها مجرد خيار سياسي أو عسكري، بل أصبح مسؤولية وطنية تفرضها مقتضيات الدفاع عن السيادة وحماية أرواح المواطنين والمقيمين والمقدرات الوطنية ، وجاء التحرك العسكري السعودي في إطار استراتيجية ردع واضحة، جمعت بين الحزم في مواجهة مصادر التهديد، والكفاءة في إدارة العمليات، والقدرة على توظيف القوة العسكرية لتحقيق أهداف أمنية واستراتيجية محددة، بعيداً عن منطق التصعيد لمجرد التصعيد، أو الانجرار إلى مواجهات لا تخدم المصالح الوطنية.
وفي هذا التحرك أثبتت القوات المسلحة السعودية، بمختلف قطاعاتها وتشكيلاتها، أن ما تمتلكه المملكة من قدرات عسكرية متطورة لا يقتصر على حجم التسليح أو حداثة المنظومات الدفاعية، بل يتجسد قبل ذلك في كفاءة الإنسان السعودي، وحسن التأهيل والتدريب، والجاهزية العالية، والانضباط في تنفيذ المهام، والقدرة على التعامل مع التهديدات.
وهي قدرات تعكس حجم العناية التي توليها القيادة الرشيدة لبناء قوة عسكرية حديثة، قادرة على حماية الوطن والدفاع عن مكتسباته، ومواكبة التحولات المتسارعة في طبيعة الحروب والتهديدات.
ولم تكن النجاحات التي حققتها قواتنا المسلحة وليدة المصادفة، بل جاءت ثمرة تخطيط استراتيجي بعيد المدى، واستثمار متواصل في بناء القدرات الدفاعية، وتطوير منظومات القيادة والسيطرة، ورفع مستوى التكامل بين مختلف أفرع القوات المسلحة، بما يعزز سرعة الاستجابة ودقة الأداء وفاعلية العمليات.
وفي هذا السياق، يحق لنا أن نفخر بصقور الجو السعودي، الذين جسدوا في سماء الوطن وميادين العمليات أسمى معاني الشجاعة والاحترافية، وأثبتوا أن التفوق الجوي لا تصنعه الطائرات الحديثة وحدها، وإنما تصنعه أيضاً سواعد رجال امتلكوا المهارة والإقدام والانضباط، وأحسنوا توظيف ما أتيح لهم من إمكانات لتنفيذ مهامهم بكفاءة واقتدار. ولعل ما عُرف بعملية «المائة مقاتلة» يمثل مناسبة لاستحضار ما تتمتع به قواتنا الجوية من جاهزية وقدرة على تنفيذ المهام المعقدة، وما يقف خلف ذلك من تدريب وتأهيل وتخطيط دقيق.
ولا يقل عن ذلك فخراً واعتزازاً ما قدمه رجال الدفاع الجوي السعودي من مواقف بطولية في التصدي للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فقد وقفوا، بعد توفيق الله، سداً منيعاً أمام الاعتداءات التي استهدفت المدن والمنشآت الحيوية، وكانت عمليات الاعتراض الناجحة إنجازات عسكرية تدعو للفخر ، قادها رجال حملوا مسؤولية حماية الأرواح والمقدرات، وادركوا أن كل تهديد يتم إحباطه يعني أمناً يُصان، وحياة تُحمى.
ويمتد الفخر إلى أبطال القوات البرية المرابطين على الحدود والثغور، الذين يقفون في مواقع الشرف دفاعاً عن تراب الوطن، وإلى رجال القوات البحرية الذين يضطلعون بمسؤوليات جسيمة في حماية السواحل والمياه الإقليمية والممرات البحرية، وتأمين المصالح الوطنية في بيئة إقليمية تتزايد فيها التحديات الأمنية. هؤلاء الرجال، بمختلف مواقعهم ومهامهم، يجسدون صورة الجندي السعودي الذي لا يقاس عطاؤه بما يؤديه من واجب فحسب، بل بما يحمله من ولاء راسخ، وإيمان عميق بمسؤولية الدفاع عن وطنه ومقدساته ومقدراته.
هذا التطور في القدرات الدفاعية للمملكة يعكس رؤية قيادة أدركت مبكراً أن بناء الدولة القوية لا ينفصل عن بناء المؤسسة العسكرية القادرة على حمايتها، وأن التنمية الطموحة تحتاج إلى أمن راسخ يحفظ مكتسباتها، ويهيئ لها أسباب الاستمرار والازدهار.
وختاماً، أستحضر هنا الجملة الشهيرة لصاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودي الأسبق، رحمه الله، حين قال: «لسنا دعاة حرب، لكننا جاهزون لها إن فُرضت علينا».

نايف بن سعيد العطوي
عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *