ميثاق المودّة في زمن التكاليف
في زحام الحياة المعاصرة، لم يَعُد تأخُّر الزواج مجرّد تأجيلٍ لسنّة، بل تحوّل إلى أزمةٍ صامتة تُثقِل كاهل الأُسر وتنهش سكينة الأمهات والآباء، فقد بات بلوغ الثلاثين دون زواج مشهدًا مألوفًا، لكنه مؤلم؛ تتوارى خلفه مشاعرُ الخجل والخذلان، وتُدفن تحته أحلامٌ مؤجلة وقلوبٌ مثقلة. وقد تفاقمت هذه الأزمة حين عُلِّق الزواج على مظاهر مُكلِفة وتكاليف تجاوزت حدود المعقول، حتى غدت بدايته مَديونة ونهايته مجهولة.
فطقوس الأعراس لم تَعُد احتفاءً بالميثاق، بل استعراضًا مُرهقًا تُصرَف فيه الأموال على ديكوراتٍ عابرة وأزهارٍ لا تُشمّ، بينما يُرهق العريس تحت وطأة الديون ليُرضي ذوقًا لم يُستشَر فيه.
وفي أحيانٍ كثيرة، تُغذّي الأنثى هذا العبء دون قصد، حين تُحمّل المناسبة ما لا تحتمله الجيوب، مبرّرة ذلك بأن “الفرح لا يُعاد”. فتطلب بلطف، لكنها تغفل عن السؤال الأهم: من أين؟ لا تُدرك أن الشاب يبتلع حياءه وهو يُقايض الفرح بالاقتراض.
وتحت وهم المقارنات والمظاهر، تُغفل الغاية: سكينةٌ ومودّةٌ ورحمة. فالمبالغة تُطفئ بهجة المناسبة وتحوّل الفرح إلى عبءٍ ثقيل. الرجولة ليست قدرةً ماليةً مطلقة، بل وعيٌ بالتوازن، ورأفةٌ بالواقع. لقد آن الأوان لنُعيد النظر.
لا بدّ من وقفةٍ صادقة نُحرّر فيها الزواج من قبضة التقاليد المُنهِكة، ونُشيع ثقافة التيسير لا التفاخر. حلولٌ بسيطة لكن مؤثّرة: دعمُ الزواج الجماعي، تخفيضُ التكاليف، نشرُ وعيٍ بأنّ البساطة لا تُقلّل من قيمة الزواج، بل تُعليها.
أما تأخُّر الزواج، فليس مجرّد تأجيل، بل وجعٌ مقيم في نفوس الفتيات والشباب، يُخفيه الحياء وتُظهره العيون كلما قيل: “متى نفرح بك؟”. والفتاة، على وجه الخصوص، تحمل قلقًا صامتًا من فوات الزمن، لا لذنبٍ سوى أنها وُلدت في زمنٍ جعل التباهي عُرفًا والبساطة عيبًا.
فكوني أنتِ البداية: صوتًا يُعيد المعنى للفرح، وزينةً في الوعي لا في الكُلفة، ويدًا تُعين لا تُثقِل. آن لنا أن نُعيد للزواج معناه الأصيل: ميثاقًا يُبنى على الستر والعفاف، لا على المظاهر. ذاك أقرب للتقوى، وأبقى للسكينة، وأهدى للرحمة.

