انتقل إلى المحتوى

الترهات

عن تكرارٍ يصنع قناعةً زائفة

لم تعد المشكلة اليوم في نقص المعلومات، بل في كثرة الكلام الذي لا يقول شيئًا. كلام يُقال بثقة، ويُتداول بكثرة، ويُدافع عنه بحماسة، رغم أنه لا يقوم على دليل واضح ولا على تفكير متأنٍ. هذا هو زمن الترهات.

الترهات لا تكون دائمًا كذبًا صريحًا؛ فكثيرًا ما تأتي في صورة آراء جاهزة، أو شعارات عامة، أو تحليلات سريعة تُكرَّر حتى تبدو صحيحة. تكتسب قوتها من التكرار لا من المعنى، ومن الشيوع لا من المنطق.

نعيش مرحلة يُكافأ فيها من يتكلم أكثر، لا من يفكر أفضل؛ من يعلّق بسرعة، لا من يقرأ بهدوء. وهكذا تتحول النقاشات إلى سباق أصوات، ويُستبعد العقل لأنه بطيء، ويُستثقل السؤال لأنه مُربك.

وفي السياسة، لا تبقى الترهات في حدود الكلام؛ أحيانًا تتحول إلى مواقف، وتُختبر عند أول اختلاف مصالح. عندها، لا يكون السؤال عمّن رفع الشعارات، بل عمّن التزم بها عندما ارتفعت الكلفة.

في بعض العواصم، بدت التحالفات قوية في الخطاب، لكنها ضعيفة في الاختبار. شراكات قُدِّمت بوصفها مصيرية، ثم أُعيد تعريفها عندما تغيّرت الحسابات. ما قيل عنه «تفاهم استراتيجي» صار «إعادة تموضع»، وما سُمّي «التزامًا» أُعيد تسويقه بوصفه «خلاف تقدير».

قد يقبل الناس اختلاف الرؤى، لكنهم لا ينسون لحظة التخلّي؛ فالانسحاب عند الاختبار، مهما غُلّف بلغة دبلوماسية هادئة، يُفهم بوصفه خذلانًا. وتبقى هذه اللحظات في الذاكرة العامة، لا لأنها صاخبة، بل لأنها كاشفة.

أخطر الترهات أن يُطلب من الناس تصديق رواية لا تُطابق ما رأوه؛ أن يُقال لهم إن ما حدث طبيعي، بينما هو في جوهره انسحاب من التزام، وتنصّل من شراكة، وتخفّف من كلفة كان يُفترض تحمّلها.

الترهات تزدهر حين يغيب السؤال، وتنتشر حين يُحاصَر النقد. والمشكلة ليست في الخطأ، فالخطأ جزء من أي تجربة، بل في الإصرار عليه، والدفاع عنه، ورفض مراجعته.

ولهذا، فإن أبسط أشكال المقاومة اليوم هو التفكير: أن نسأل قبل أن نُصفّق، وأن نقرأ قبل أن نُعلّق، وأن نميّز بين الرأي الذي يضيف، والكلام الذي يستهلك الوقت ولا يقدّم فهمًا.

ليس كل ما يُقال يستحق النقاش، ولا كل ما يُتداول يستحق التصديق. وفي زمن الترهات، يصبح الهدوء موقفًا، ويصبح السؤال ضرورة، ويصبح العقل قيمة لا غنى عنها.
عبدالله بن حمد الفرحان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

للقصة بقية