تغيّرت الأقلام.. وبقيت الخريطة
قبل مئة وعشرة أعوام، جلس رجلان إلى خريطة، ومدّا فوقها خطوطًا لم تكن تعرفها الأرض، ولم تستأذن أهلها. كان أحدهما بريطانيًا، والآخر فرنسيًا، وكانت المنطقة العربية يومها تُقرأ في عواصم القوى الكبرى لا بوصفها أوطانًا لها شعوب وتاريخ، بل بوصفها مساحةً للمصالح والنفوذ.
كانت تلك اتفاقية – سايكس–بيكو.
مضى قرن وعقد، وتغيّرت الإمبراطوريات، وسقطت دول ونهضت أخرى، وتبدلت التحالفات وموازين القوى؛ لكن الخريطة بقيت في قلب الصراع.غير أن الصراع اليوم لم يعد على رسم الحدود بقدر ما أصبح على مفاتيح الجغرافيا.في الشرق مضيق هرمز، وفي الغرب باب المندب والبحر الأحمر، وبينهما الخليج والجزيرة العربية؛ جغرافيا تعبرها الطاقة والتجارة وتتقاطع فيها المصالح الدولية. ومن يملك القدرة على حماية هذه الشرايين، أو تعطيلها، يمتلك نفوذًا يتجاوز حدود دولته بكثير.ولهذا تدرك إيران قيمة هرمز، ويدرك الحوثيون قيمة باب المندب، وتدرك القوى الكبرى أن أمن الشرق الأوسط لم يعد قضية إقليمية خالصة، بل أصبح جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي نفسه.
لكن المفارقة أن الولايات المتحدة، صاحبة الحضور الأثقل في المنطقة منذ عقود، تحاول اليوم حماية مصالحها من دون حسم في كل مرة ؛ تفاوض هنا، وتردع هناك، وتدعم حلفاءها في موضع، وتحاول احتواء خصومها في موضع آخر.
وهذا يضع دول المنطقة أمام حقيقة لا تحتمل كثيرًا من المجاملة السياسية:
الأمن الذي لا تصنعه بيدك، سيظل جانب من قراره في يد غيرك.
ومن هنا تبرز السعودية في قلب المعادلة الجديدة. فهي ليست مجرد دولة تطل على بحرين، بل قوة عربية وإسلامية واقتصادية تتوسط جغرافيا تمتد بين الخليج والبحر الأحمر، وتجاور اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم. ولذلك يصعب تصور نظام إقليمي مستقر يتجاوز الرياض أو يُبنى بعيدًا عنها.وهنا تحديدًا ينبغي ألا نخطئ في قراءة التاريخ.
ما يحدث ليس «سايكس–بيكو جديدة» بالمعنى الحرفي؛ فلا سايكس عاد، ولا بيكو عاد، ولم تعد القوى الخارجية قادرة على تقسيم المنطقة بالطريقة التي كانت القوى الاستعمارية تفكر بها قبل قرن.
لكن ما قد يكون في طريقه إلى التغير أعمق من الحدود نفسها، ويلخصه سؤال واحد: من يملك القلم؟
فالخرائط الحديثة قد تبقى كما هي، لكن حدود النفوذ تتبدل، وموازين الردع تتحرك، والتحالفات يُعاد تشكيلها، والممرات البحرية تتحول إلى أوراق تفاوض، فيما أصبحت القوى الإقليمية أكثر قدرة على التأثير في القرار الذي كان يأتيها يومًا من الخارج.في عام 1916 كان السؤال: كيف ستتقاسم القوى الكبرى النفوذ في الشرق الأوسط؟
أما في عام 2026، فالسؤال الذي تفرضه الأحداث هو: من سيشارك في كتابة النظام الإقليمي المقبل؟
وبين السؤالين مئة وعشرة أعوام من الحروب والثورات والانقلابات والتحالفات؛ قرن وعقد لم تتعلم خلالهما المنطقة، بأن الجغرافيا وحدها لا تحمي أصحابها ما لم تسندها القوة، وأن السيادة لا تكتمل بالحدود ما لم يسندها قرار مستقل. والتحرر الحقيقي يبدأ حين تمتلك دول المنطقة قرارها، وتبني قوتها، وتحمي وحدتها الوطنية، وتجعل المصالح المشتركة أكبر من الخلافات العابرة؛ حين تدرك أن العالم لا يحترم المساحات الممزقة بقدر ما يحترم الكتل القادرة على صناعة مصالحها والدفاع عنها
قبل مئة وعشرة أعوام، كان رجلان أوروبيان ينحنيان فوق خريطة المشرق، والقلم في أيديهما، بينما كانت شعوب الخريطة غائبة عن الطاولة.
واليوم، ما تزال الخريطة نفسها، تقريبًا، أمام العالم؛ لكن الواقفين حولها أكثر، والقوى التي تتحرك فوقها مختلفة، والمنطقة التي كانت بالأمس موضوعًا للتفاوض أصبحت أكثر قدرة على أن تكون طرفًا فيه. فأزمات المنطقة لم تصنعها يدٌ أجنبية وحدها؛ بل صنعت بعضها صراعات الداخل، وضعف المؤسسات، والانقسامات المذهبية والسياسية، وسوء إدارة الاختلاف، كما غذّتها تدخلات خارجية وجدت في تلك الشقوق أبوابًا مفتوحة، تسمح أن يُفتن بين عربي وعربي، وبين دولة وجارتها، وبين المواطن ووطنه فالخارج لا يستطيع أن يفرّق بيتًا شديد التماسك كما يستطيع أن يدخل بيتًا فتح أهله نوافذه للصراع.وهذه هي الحقيقة التي لاينبغي الهروب منها: سايكس–بيكو القديمة رسمت حدودًا في الأرض،
أما سايكس–بيكو الأخطر فهي التي تُرسم في العقول.
بقلم
ل/م
عبد الله بن كريم العطيات






مقالٌ عميقُ الفكرة، رصينُ الطرح، يكشف ببصيرةٍ نافذة تحوّلات المنطقة وتبدّل خرائط النفوذ. أبدع اللواء عبد الله بن كريم العطيات في قراءة التاريخ واستشراف المستقبل، فله خالص التقدير على هذا القلم الوطني المميّز