انتقل إلى المحتوى

دخول الفيصل إلى الحديدة عام 1934م.. وشجاعة سعودية تتجدّد فصولها

تُعدّ الحديدة إحدى أبرز محطات الحرب السعودية اليمنية عام 1934م، حين قاد الأمير فيصل بن عبدالعزيز الذي أصبح لاحقاً الملك فيصل، القوات السعودية على الجبهة الغربية باتجاه الساحل اليمني على البحر الأحمر. وجاء هذا التحرك في وقت كانت فيه المملكة العربية السعودية، بقيادة الملك عبدالعزيز، تخوض مواجهة مع الإمام يحيى حميد الدين، إمام اليمن آنذاك.

ولم يكن دخول القوات السعودية الحديدة عملية عسكرية منفصلة عن سياق الحرب، بل جاء نتيجة مباشرة لخلافات حدودية وسياسية متراكمة بين البلدين. ومع اتساع العمليات العسكرية وتقدم القوات السعودية على أكثر من جبهة، تحولت الحديدة إلى ورقة ضغط مهمة، قبل أن تنتهي الحرب بتوقيع معاهدة الطائف التي أعادت تنظيم الحدود والعلاقات بين السعودية واليمن.

خلفية الحرب وأسبابها ..
تعود جذور المواجهة إلى خلافات حول الحدود والنفوذ في جنوب غربي الجزيرة العربية، ولا سيما في مناطق عسير وجازان ونجران. وازدادت حدة التوتر بعد اضطراب الأوضاع في المنطقة الإدريسية، ولجوء الحسن الإدريسي وبعض أقاربه إلى اليمن، ثم دخول قوات يمنية إلى مناطق في نجران.
ودفع ذلك الملك عبدالعزيز إلى مطالبة الإمام يحيى بسحب قواته والتوصل إلى اتفاق واضح بشأن الحدود. غير أن المفاوضات تعثرت، ولم يتمكن الطرفان من الوصول إلى تسوية تنهي الخلاف، فاختار الملك عبدالعزيز التحرك عسكرياً على جبهتين رئيسيتين.
قاد الأمير سعود بن عبدالعزيز القوات السعودية على الجبهة الشرقية، فيما تولى الأمير فيصل بن عبدالعزيز قيادة القوات المتجهة غرباً نحو الأراضي اليمنية المطلة على البحر الأحمر. وكان الهدف من هذا التحرك الضغط على حكومة الإمام يحيى، ودفعها إلى سحب قواتها من المناطق المتنازع عليها، تمهيداً للتوصل إلى اتفاق يضمن استقرار الحدود.

الفيصل يتقدم نحو الحديدة..
على الجبهة الغربية، تقدمت قوات الأمير فيصل عبر مناطق تهامة، وتمكنت من تجاوز المقاومة التي واجهتها والسيطرة على عدد من المواقع، من بينها بيت الفقيه، وواقعة “ميدي” قبل أن تواصل زحفها نحو “الحديدة” الميناء اليمني البارز على البحر الأحمر.
واكتسبت الحديدة أهمية خاصة بسبب موقعها الاستراتيجي ودورها الاقتصادي، إذ كانت منفذاً بحرياً رئيسياً لليمن. لذلك مثّل التقدم نحوها وسيلة ضغط مباشرة على حكومة الإمام يحيى، خصوصاً مع تزامنه مع تقدم القوات السعودية على الجبهة الشرقية.

وفي مايو 1934م، دخلت القوات السعودية الحديدة، في وقت كانت فيه قدرة القوات اليمنية على مواصلة القتال تتراجع. وأدى تزامن التقدم على الجبهتين إلى زيادة صعوبة الموقف بالنسبة إلى الإمام يحيى، الذي حاول الحصول على دعم خارجي، لكن مساعيه لم تفضِ إلى تدخل يغيّر مسار الحرب.
ومع سقوط عدد من المواقع وتسارع التقدم السعودي، اتجه الجانب اليمني إلى البحث عن مخرج تفاوضي. فقد أصبح استمرار القتال يهدد بمزيد من الخسائر، ويعرض مناطق ساحلية وداخلية أخرى لمزيد من التقدم العسكري. وهكذا مهّد التطور الميداني الطريق أمام مفاوضات انتهت لاحقاً بمعاهدة الطائف، التي وضعت حداً للحرب ونظمت الحدود بين البلدين.
وقد أقام الأمير فيصل بن عبدالعزيز في الحديدة عدة أشهر عقب دخولها عام 1934م، حتى صدر أمر والده الملك عبدالعزيز بمغادرتها وسحب القوات السعودية منها، تنفيذاً للتسوية التي انتهت بتوقيع معاهدة الطائف، فعادت الحديدة إلى الحكم اليمني، وانتهت بذلك مرحلة مهمة من الحرب السعودية اليمنية.

أبيات قالها الفيصل رحمه الله حين دخول الحديدة :
يا طارشي يم الامام العود.. قله بنينا بالخبوت اخيام
جينا الحديده والزيود اشهود.. يوم ادبروا مثل النعام

وقال الشاعر عبدالعزيز الهذيلي الذي شارك مع جيش الفيصل وقتها :
قال الهذيلي من جوابه .. يومٍ عوى ذيبٍ لبيب
ذيب اليمن جاله ذيابه .. وذيابةٍ تقنب قنيب
يا ويل من”فيصل”نوى به .. مثل الحنش ماله طبيب
إن كان “يحيى” ما درى به .. لابد من يومٍ عجيب
يومٍ على صنعا ترى به .. واللي حضر كونه يشيب

‎أحمد عبدالعزيز الحميدي
‎باحث في الأدب والتاريخ العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *