وطنٌ يُورَث في الوجدان
ثَمّةَ معانٍ تضيق عنها العبارة، ولا يحيط بها البيان؛ لأنها أعمق من أن تُقال، وأرسخ من أن تُستعار لها الكلمات. والوطن واحدٌ من تلك المعاني التي لا تُعرَف بالتعريف، بقدر ما تُستشعر في الوجدان، وتترسّخ في الذاكرة، ويكبر حضورها في القلب كلما امتدّ بنا العمر.
هو أولُ الجهات التي سلكت إليها أرواحنا سبيلها، وأقدمُ المعاني التي انعقدت عليها ذاكرتنا؛ منه ابتدأ الأنس، وفي رحابه تخلّقت الملامح الأولى للهوية، وعلى ترابه ترك الزمن أقدام الذين مضوا، وتركوا لنا من أثرهم وطنًا نعرف قدره كلما أوغلنا في العمر، وكلما اتسعت فينا مساحة التأمل فيما كان، وما صار، وما ينبغي أن يكون. وفي اليوم الوطني لهذا العام، لا نستدعي مناسبةً من دفاتر الزمن فحسب، وإنما نستحضر سيرةً من العزم؛ سيرة وطنٍ لم يتكوّن من تلقاء الأيام، ولم يكن ثمرة لحظةٍ عابرة، بل نهض على إرادةٍ عرفت مقصدها، ونفوسٍ استرخصت العناء في سبيل غايةٍ أجلّ: أن يكون لهذه الأرض كيانٌ موحّد، ورايةٌ لا تُنكَّس، ومكانةٌ تليق بما تختزنه من تاريخٍ ومجد. كانت البدايات شاقّة، وكانت الطريق أطول من أن تُختصر في خطوة، غير أن عزائم الرجال كانت أمضى من وعورتها، وأبقى من مشقتها. فمضوا، وبقي أثرهم. وكلما تأملنا ما آل إليه الوطن، أدركنا أن الحاضر ليس وليد لحظته؛ بل هو حصيلة أعمارٍ بُذلت، وتضحياتٍ طواها الغياب، وأحلامٍ عاش أصحابها على رجاء أن يروها واقعًا، ثم غادروا قبل أن تكتمل رؤيتهم. ولعل أبلغ ما في الوطن أن الغائبين فيه لا يغيبون تمامًا. فهم في الحجر الذي ارتفع، وفي الطريق الذي امتد، وفي المدرسة التي أنارت عقلًا، وفي البيت الذي نام أهله آمنين، وفي كل أثرٍ تركته يدٌ مضت، وبقي ما صنعت شاهدًا عليها. وهم في رايةٍ تخفق فوق أرضٍ كان لهم نصيبٌ من تعب الوصول إليها، وفي أمنٍ نعيشه اليوم ربما لم يعرفوا يومًا كيف سيكون، لكنهم آمنوا أن أبناءهم يستحقونه. ومن هنا، حين نقف أمام الراية، لا تقف أعيننا عند لونها وحده؛ بل تستدعي الذاكرة ما وراءها. تستدعي رجالًا مضوا، وأيامًا انقضت، وأحلامًا كبرت معنا، وأمانةً انتقلت إلينا دون أن نطلبها. وهنا يتوارى الكلام قليلًا؛ فبعض الانتماء لا يُعبَّر عنه بالصوت، وإنما تكشفه رعشةٌ عابرة في القلب، أو غصّةٌ لا تجد لها تفسيرًا، أو دمعةٌ تسبق العبارة حين يمرّ اسم الوطن في موضعٍ بالغ العمق من الروح.
ذلك أن الوطن، في أصفى معانيه، ليس موضع الإقامة؛ إنه موضع السكينة، ومهوى الذاكرة، ومقام الوفاء. وما أجمل أن يبلغ الإنسان من العمر ما يجعله يرى وطنه لا بعين المولود فيه فحسب، بل بعين من أدرك ثمن ما وصل إليه؛ فيعرف أن وراء الأمن تاريخًا من التأسيس، ووراء الازدهار سواعدَ أرهقها البناء، ووراء كل منجزٍ أجيالًا آمنت بأن الغد يستحق أن يُمهَّد له.
وفي قلب هذه المسيرة المباركة، تظل القيادة صورةً أخرى من صور الوطن في وجدان أبنائه؛ ففي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، يرى أبناء هذه البلاد شيئًا من تاريخها حاضرًا أمام أعينهم؛ رجلًا عاصر مراحل الوطن، وشهد تحوّلاته، وحمل في ذاكرته صور الأمس، حتى غدا حضوره صلةً حيّةً بين جيلٍ أسّس، وجيلٍ يبني، وأجيالٍ تتطلع إلى الغد. وفي حضرة الملك سلمان، لا يستحضر السعوديون رجلًا في موقع القيادة فحسب، وإنما يستحضرون ذاكرة وطنٍ طويلة؛ ذاكرةً شهدت أطوار التأسيس والنماء، وعرفت صعوبة البدايات، ورأت كيف تتحول الأحلام، حين تصدق العزائم، إلى واقعٍ تنعم به الأجيال. ولهذا يظل حضوره متصلًا في وجدان أبناء الوطن بمعنى الوفاء للجذور، وصيانة الإرث، والإمساك بخيط الحكاية منذ بداياتها حتى حاضرها. وفي امتداد هذه المسيرة، يأتي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؛ حاملًا في رؤيته صورةً أخرى للمستقبل، ومعبّرًا عن جيلٍ لا يرى الطموح ترفًا، ولا المستقبل انتظارًا، بل يراهما مسؤوليةً تستوجب العمل. حمل الأمير محمد بن سلمان أحلام وطنه في قلبه قبل أن يحملها في مشروعاته، ورأى في هذه الأرض من الإمكانات ما يجعل سقف الطموح أوسع من حدود المألوف. فمضى بالطموح من خيالٍ يُروى إلى واقعٍ يُرى، ومن أمنيةٍ تُتداول إلى عملٍ تتعاقب آثاره، ومن سؤال: ماذا يمكن أن يكون؟ إلى إرادةٍ تقول: فلنجعل الممكن واقعًا، ولنجعل الغد جديرًا بما نحلم به اليوم. وما يبعث على الاعتزاز أن ترى وطنًا كاملًا يفتح عينيه على مستقبلٍ أوسع، دون أن يدير ظهره لماضيه؛ وأن ترى يدًا تمتد إلى الغد، بينما تبقى الأخرى ممسكةً بجذور الأرض وذاكرتها. وفي ذلك تتجلى صورة القيادة حين تكون وفاءً للأصل، ووعيًا بالحاضر، وإيمانًا بأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات؛ وإنما تُبنى حين يتحول الحب إلى مسؤولية، والطموح إلى عمل، والحلم إلى أثر.
ولعل أصدق الوفاء لملكٍ وقائدٍ أن يُذكر أثرهما حيث يُذكر الوطن؛ فما القيادة في وجدان الشعوب اسمٌ يتقدم الصفوف فحسب، وإنما أثرٌ يبقى في الطريق الذي مُهّد، وفي الأمل الذي زُرع، وفي الغد الذي يُترك أكثر اتساعًا لأبنائه. وحين يذكر السعوديون وطنهم، تستدعي قلوبهم رجالًا سبقوا، ورجالًا يحملون اليوم راية المسيرة، ورجالًا سيحملونها غدًا؛ فتتصل الحكاية، ولا ينقطع العهد. إنها حكاية وطنٍ لا يعيش على أمجاد ماضيه، ولا يستعجل مستقبله؛ بل يمضي واثق الخطوة، يعرف من أين جاء، وإلى أين يريد أن يصل. وفي كل خطوةٍ منه شيءٌ من دعاء الآباء، وشيءٌ من أحلام الأبناء، وشيءٌ من عزيمة القيادة التي آمنت أن لهذا الوطن مقامًا يليق به، وأن ما تحقق ليس نهاية الطريق، وإنما شاهدٌ على قدرة هذا الوطن وأبنائه على أن يواصلوا المسير. في عام ١٤٤٨هـ، نحتفي بوطنٍ لا نريد أن نكتفي بحمل اسمه؛ بل نريد أن نكون امتدادًا يليق بسيرته. فما وصل إلينا ليس ميراثًا من الأرض وحدها؛ بل هو ميراثُ معنى ومسؤولية. ومن عرف معنى الوطن، عرف أن الوفاء له ليس قولًا يُستحسن، ولا شعورًا عابرًا؛ وإنما سلوكٌ يترجم المحبة، وعملٌ يصون الأمانة، وأثرٌ يضيف إلى ما تركه السابقون.
فالوطن ليس أن ترث أرضًا فحسب؛ بل أن ترث قصةً، وتفهم ثمنها، ثم تضيف إليها ما يليق بها. وليس الوفاء أن ننظر إلى ما صنعه السابقون بإعجابٍ صامت؛ وإنما أن نحمل ما تركوه لنا بوعيٍ يليق بالتعب الذي سبقنا، وأن نترك لمن يأتي بعدنا وطنًا أكثر قدرةً على أن يحتضن أحلامه. ذلك هو الوطن؛ أن تجد في الأرض شيئًا من روحك، وفي التاريخ شيئًا من جذورك، وفي المستقبل شيئًا من أمانتك. أن تشعر، كلما مرّ اسمه، أنك لا تستمع إلى كلمةٍ عابرة، وإنما إلى شيءٍ يشبه النداء القديم الذي عرفته الروح قبل أن تعرفه اللغة. وحينها فقط، نفهم لماذا يعجز القلب عن اختصار وطنٍ كامل في كلمات؛ لأن بعض الأوطان لا تُكتب… بل تُورث في الوجدان، وتُحفظ في الذاكرة، ويُستدل على مقدارها من ارتجافة القلب حين يُقال اسمها.
كتبه/ فائز بن سلمان الحمدي

