×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
محمد آل الياس

حرمان الثنائية
محمد آل الياس

إن الإنسان عند الحيرة سيتبع ما يمليه مبدأ القوة، والقوة هنا ليست قوة السيف والضرب، إنما قوة الإقناع والمصداقية، إن هذه القوة هي القوة الوحيدة التي يرضخ إليها العقلاء، وأهل العقل السديد، ولا ريب في ذلك فإن الخطاب القرآني قد امتلأ من مثل هذه القناعات التي نحن في غنية عن ذكرها لشهرتها في كل من يقلب صفحات كتاب ربنا.
إن القوة الحقيقة التي يتمتع بها البشرية ليست القوة الجسمانية، أو القوة المهارية في القتال، فإن هذه القوة كالمشترك بين الكائنات في هذه الدنيا، فلا ميزة لكائن على كائن بذلك لأنها من متطلبات البقاء النوعي لكل مخلوق على هذه الأرض.
إنما القوة الحقيقة التي تميز الإنسان هي القوة العقلية، وكلما عطل الإنسان هذه القوة كلما كان أسهل للتيار السائد أن يجرفه، ويعيش صراعات الحياة وتقلبات الأفكار دون وعي منه، بل سينقلب المنطق عند تعطيل العقل إلى المنطق النفعي، الذي يسعى وراء المصلحة المجردة، فهو كل يوم وراء تيار لوجود التكسب من ورائه كما هي طبيعة بعض الكتبة الذين يتحدثون بالجهالة، وهم لا يعلمون.
وهنا تفريق جوهري بين التنوع والتقلب، فالتنوع دائما ما يكون في أسلوب، وقناعة ما مع الوعي التام لسبب التغير، أم التقلب فهو إدراك بلا وعي، وتخبط بلا دليل، والتفريق بينهما ليس في إطار معين، وفي جملة مركبة، إنما يظهر ذلك في طرحه، ومناقشته لأفكاره.
والوصول إلى مثل هذه الدرجة من التعقل ومن الوعي الرصين، لابد من تنوع الطرح المتلقى.
إننا في أدبيات تربيتنا، تعلمنا أن التأسيس قبل الانطلاق، وكل تأسيس يخضع لحساب البيئة التي يخرج منها، والمسلّمات التي يؤمن بها، وهذه القضية تكاد أن تكون مسلّمة عند جميع الأطياف، وجميع الأديان، وجميع المذاهب، ولم يخرج عن ذلك إلا بعض أقزام المثقفين فوقعوا في التخبط في الذي يؤمنون به، ليس عن قناعة وإنما عن دردشة مجالس ، وبعدها تتشكل القناعة البدائية، وأهل الإلحاد الذين نسفوا المسلّمات بحجج ليست عقلية وإنما ضغوطات دينية قد مورست في حقهم ، فأخذوا هذه الضغوط كالحجة لهم للانسلاخ من دينهم.
فكل مجتمع من المجتمعات يتربى على المسلّمات، ومع صفاء هذه المسلّمات فإن ما يعكر صفوها هي التطبيقات، وتحميل هذه المسلّمات ما لا تحتمله، ولا يكون ذلك إلا عند وجود الطرح الأحادي، الذي يصبح كالنغمة الدائمة التي تطرق الأسماع، وتنبه النيام، فيصبح كالطالب الذي يمل من حصته، فهو يريد الجرس أن يطرق، وما إن يسمع الجرس يطرق، حتى تجد الارتياح قد داعب ملامحه، وأخرجه من مأزقه، فهو ليس عنده هم لأن يكمل المعركة ويستحضر وعيه من أجل أن يتقبل الفكرة، إنما كل همه متى يسمع هذا الجرس الذي يحل الإشكالية سريعاً، فيكون تحت تأثير عقلية الاستجابة الباردة، ويُطلّق عقل الصراع المثمر.
إن الجرس وضع للتنبيه، وليس للإيقاف، وهذه مفارقة لابد من تذكرها في الصراع، فعند انعطاف الصراع لمنعطفات أخرى، فإنك تحتاج إلى من ينبهك أنك تهت في الطرق فارجع إلى طريقك الذي تبحث فيه، لتمضي لأمنياتك وأهدافك.
إن لوثر لما شعر بوحدوية الصراع الداخلي، وليس فقط الأحادية، بل أصبح مصادرة الأطراف الأخرى، ليكونوا تحت صراع واحد لا ثاني له، وهذه مرحلة من الأحادية خطرة جدا، أراد أن يوسع المساحة لا لأجل تكثير دائرة الصراع، وإنما من أجل أن يدخل في الصراع كل طرف مؤهل، وله مكنة تمنحه من خوض الصراع، فكان أولى ما قدمه في عريضته التي وضحها على الكنيسة، هي مصادرة رجال الدين لتفسير الكتاب المقدس، وهو يقصد رجال الدين الذين كانوا في أعلى الهرم، فكأنه يريد لكل من هو أهل لذلك أن يدخل في دائرة الصراع.
ويكفي لشيخ الإسلام شرفاً أنه سجن من أجل مسألة فرعية ( الطلاق ) وليس الأمر متعلق لديه في هذه المسألة الشرعية إنما قضيته أن ينهي الاحتكار التقليدي الذي ينبذ كل ما هو جديد ، ولو تأملنا تاريخنا لوجدنا العجب! إنما المرء تقوده الضرورة لإيراد مثال خارج النسق من باب قوله : " يا ليت قومي يعلمون " .
وجاءت سنة الله في هذه الحياة أن انحدر الصراع اللوثري، إلى صراع إلحادي انخرطت فيه الأجيال من بعد لوثر المجدد، وهذه سنة لكل ما هو محرف، فإن القلب لا يطمئن له، لذلك لم يكترثوا بالديانة، وإنما انشغلوا في الحياة المادية، فكانت هذه الحضارة الصاعدة، فلولا وجود الثنائية لم وجدت هذه الحضارة.
إن وجود الثنائية لا يعنى الرضا بها، وبمبادئها، إنما يعني الرضا بمكوناتها الظاهرية، وهي طرح المشاريع بين كل أصحاب فكر، ولن يسمو، ولن يبقى إلا من يكون صاحب قوة، والقوة هنا القوة العقلية، تجمع بين الحياة التنموية، والحياة العصرية، بارتكاز وثبات على الحياة الدينية، من حيث الأصول والأساسيات.
إن الثنائية تشعرك بالضعف الذي أنت فيه، وتشعرك بالفوضى التي تحكم عقليتك، وتشعرك بروح المنافسة في إظهار حقيقتك، وإلا فإن النفس من طبيعتها الركون إلى الخمول وترك المجابهة، فكيف إذا كنت وحيدا في الساحة، فإنه وبلا شك سترى نفسك المثال الناصع الذي لن يتكرر في التأريخ بأكمله.
لماذا تصيبنا الفاجعة عند الاختلاف عن الطرح المحلي، ولماذا تتوالى ردود الفعل الهوجاء ؟؟
نحتاج الإجابة عليه، ولكن لن نستطيع الإجابة عليه إلا إذا استطعنا أن نفرق بين أن نؤسس خطاب لنا يليق بمبادئنا، وبعصرنا، وبين خطاب يُظهر عند حصول المخالفة والمناوشة لما هو سائد، فإن الأخير لن يبرز وهو لوحده، وأما الأول فإنه لن ينتظر من الآخر أن يتكلم حتى يتحدث.
بواسطة : محمد آل الياس
 2  0