×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
عوده الحويطي

لقطات .. (اللقطة الأولى: فضفضة لساكن قبر)
عوده الحويطي

العجيب أنها ليست المرة الأولى! بل أكثر من مرة وأنا أرى ذلك الرجل عند نفس القبر. دائماً أراه في خضم محادثة تبدو لي من قبل طرف واحد. حيث لا أرى في الطرف الآخر سوى قبر قد أرتفع عن الأرض قيد ذراع وعليه أكليل ورد يبدوا أن ذلك الرجل هو من وضعه.

اراه يتحدث بكل صدق، بكل أمانة وحب. يبكي أحياناً ويضحك أحياناً أخرى. يصمت لبرهة ويطرق رأسه طويلاً. وكأنه يعطي لساكن القبر دوره في الحديث وهو يستمع له بإنصات.
ثم يعاود الحديث بشراهه، بإنسجام تام، يلوح بيده وهو يخبره عن أشياء وأشياء وكأنه كمن يلتقي بصديق قديم لم يلتقي به منذ أمد بعيد.
أحياناً يعقد يداه خلف ظهره، يطأطا رأسه، ويركل الأرض بهدوء وكأنه يتأهب ليخبر ساكن ذلك القبر بخبر ما سيئ. ثم يعود لدأبه يرتفع صوته تارة وينخفض تارة أخرى.

اراه وأنا أعبر طريقي بمحاذاته إلى الحرم الجامعي . أنظر إليه بالفضول نفسه في كل مرة ، وأسئلة كثيرة يلوكها فكري كلما شاهدته: هل هذا الرجل لا يعترف بالموت؟ لا يؤمن بتلك الحواجز بين الأحياء والأموات ؟ هل هو مريض؟ مجنون؟ أم انه كان يحب سكان القبر بجنون؟
من يكون ساكن القبر بالنسبة له يا ترى؟ أمه، أباه، أخاه ،زوجته، ولده، أم صديقة؟ هل كان ساكن القبر هو الشخص الوحيد الذي كان يفضفض له في ما مضى؟ فأستمر في وفائه له حيث لا يفضفض لأحد سواه حتى ولو كان داخل قبر؟
هل نحن نفضفض لأشخاص بعينهم؟ ماذا لو حدث لهم مكروه؟ هل نحن ننساهم ونبحث عن آخرين لنفضفض لهم؟

لا بد أن ساكن القبر كان مستمعاً جيداً.

في إحدى المرات لم أقاوم التساؤلات التي أزدحم بها فكري. وضعفت أمام فضولي. ولأني" ملقوف" أقتحمت طقوس ذلك الرجل. وقفت جانباً حتى ينتهي من حديثه. وعندما انتهى هممت بالحديث إليه ولكنه أستوقفني مقاطعا:
- إنتظر من فضلك.. ألا تسمعها؟. إنها تتحدث عن ابنتنا الكبرى!
بواسطة : عوده الحويطي
 2  0