×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
طلال ابو دميك

جسر على نهر "أدرينا"
طلال ابو دميك

تعودنا في مقالات سابقة ان نكتب عن الشأن المحلي محصوراً داخل نطاق جغرافي محدد عرفناه وعايشناه بماله وما عليه ؛ لكنني هذه المرة استبيحكم العذر ان نحلق ابعد مماكان محور الاهتمام بطبيعة الأشياء لنكتب عن واقعة تاريخيه ظلت شاهدة على صراع إرادات البشر .. بطل حكايتنا هو جسر.

جسر قدر له ان يكون حداً فاصلاً بين عالمين احدهما إسلامي بإرادته والآخر مسيحي بطبيعته وهنا تكمن المفارقة.
تختلف قصة (جسر نهر أدرينا) عن أي قصة غيرها في الأداب العالمية لأن بطل القصة ليس بشراً رجلا أو أمرأة وإنما البطل .."جسر"وقع بناؤه على ضفاف نهر أدرينا في القرن السادس عشر ثم أن وقائع القصة ليست مشاعر وعواطف ومواقف وعقد وإنما الوقائع حركة التاريخ تحتشد تياراته ودياناته وثقافاته على ضفتي نهر شاءت مقاديره أن تجعل منه خطاً فاصلاً بين عالمين أو بين عوالم كثيرة قادمة نحوه من كل الأتجاهات متلاقية عند ضفاف النهر.

قصة بناء الجسر وهذا هو الواقع ،، تبدأ من الصدر العثماني الأعظم محمد سوكلو باشا وكان هذا الوزير قد إرتقى في البلاط العثماني في عهد السلطان سليمان القانوني الى أن أصبح الحاكم المطلق في أسطنبول لكن محمد باشا كان في الأصل مملوكاً أختطف في طفولته من البوسنة بواسطة جند السلطان العثماني سليم الاول وكانت تلك هي الطريقة العثمانية في إعداد محاربين عن الخلافة وحكام لولايتها أحيانا، والحاصل أن ولايات الخلافة كانت بحاجة الى محاربين يكون ولاؤهم للسلطان وحكام ينوبون عنه بتفويض منه.

أطفال من سلالات بشرية قوية يختطفون بالقوة من أبائهم وأمهاتهم ثم يؤخذون الى عواصم الملك الاسلامي وهناك تجري تربيتهم إسلاميا وعسكريا ( الجيش الانكشاري ) ثم تكون نشأتهم على الولاء للسلطان ويكون شبابهم إتقان ومعايشة حياة البلاط السلطاني وتعلم فنون القتال.

كان الوزير الأبرز في عاصمة الخلافة سنة 1565 هو محمد سوكولو باشا قد عاش تجربة الخطف طفلاً والتأسلم والتعليم صبياً وفنون الحرب والقتال شابا ثم أصبح أقوى رجل في دولة الخلافة لكنه لم يستطع نسيان تجربته خصوصا ذلك الجزء من الرحلة الذي دار على ضفاف نهر أدرينا حيث الأخطار متربصة بالقوافل الانسانية الخائفة والسياط تهوي على الظهور تدفع طوابير الاطفال المخطوفين الى مواصلة السير حفاة على أحجار مدببة مثل الزجاج والبرد قارس خصوصاً في الليل ،، والظلام هو الموعد المرسوم عادة لعبور النهر بوسائل بدائية وخطرة وقد كاد الطفل الذي أصبح وزيراً وصدراً أعظم فيما بعد ،، أن يغرق وكانت قدماه تتركان أثرهما دامياً على قطع الحجر الذي يفترش ضفاف النهر ومجراه ،،

إن المملوك والوزير الأعظم فيما بعد،، لم ينس تجربة الطفل المخطوف الأسير وهكذا كان أن قرر أن يكون أحد المشروعات الكبرى التي يخلد فيها ذكره هو بناء جسر على نهر أدرينا وقد كان.

لكن تناقضات التاريخ تتجلى بطريقة درامية فهو صبي مخطوف من البوسنة وقد ولد مسيحياً وكان أسم عائلته وهو الذي أكتشفه بنفوذه فيما بعد "سكوولوفيتش"وهو أسم صربي لاشك في صربيته ؛ ويعود محمد سوكولو بالأتصال بعائلته ثم يستخدم نفوذه في دولة الخلافة الأسلامية حتى يصل شقيقه ويصبح الأسقف الاكبر للكنيسة الارثودكسية في صربيا !

ويكون المشهد غريباً : أخ مخطوف مملوك مسلم يصبح رأس السلطة في دولة الخلافة العثمانية وشقيقه الثاني الذي لم يؤسر ولم يتأسلم تساعده سلطة وثروة إسلامية لكي يصبح رأس السلطة المسيحية الصربية !

أن قصة "الجسر على نهر أدرينا"في النهاية صورة مأساوية ودامية لمسرح تاريخي فريد فيه من تناقضات التاريخ مايجعل واقعه أقرب الى الخيال ولكنها تبقى في النهاية
مقادير البشر.

* عن رواية " جسر على نهر أدرينا "
للروائي اليوغسلافي ايفو اندريتش .
بواسطة : طلال ابو دميك
 0  0