×

اضغط هنا إن لم يقم المتصفح بتحويلك آليًا.
نايف سعيد العطوي

القيصر يحتفي بالملك
نايف سعيد العطوي

"لا يوجد في العالم شيء يدوم بشكل مطلق "كانت هذه إجابة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأحد الصحفيين حول سؤاله عن مستقبل الشراكة السعودية - الأميركية بعد عزم خادم الحرمين الشريفين على الزيارة التاريخية لروسيا الاتحادية.
أما وزير خارجيته المخضرم فقد وصف هذه الزيارة التاريخية لأول ملك سعودي لأرض القياصرة ب ( التحول الكبير ) .
هذا التحول الذي يراه وزير الخارجية الروسي كبيرا ، لايعدو أن يكون في نظر الخبير بالسياسة الخارجية السعودية إلارغبة في جعل كافة الأبواب مشرعة لكافة الخيارات السعودية غربا وشرقا ، حيث اصبحت سياسة تعدد الحلفاء هي لغة المستقبل .
كما أن المدرك للأمور يعي تماما أن روسيا أصبحت اليوم لاعبا مؤثرًا ورئيسيا على الساحة السياسية في العالم ، وان التعاون معها من شأنه أن يعالج الكثير من المشكلات السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط والعالم.
ولكي تنجح هذه العلاقة بين الطرفين وتتحول لمرحلة الشراكة ، لابد من القراءة الصحيحة للواقع على الأرض ، والاعتراف بأنه لاحل لأزمات المنطقة دون التفاهم مع روسيا ، كما أنه على روسيا الاعتراف بحاجتها المستمرة للسعودية كقوة كبرى في المنطقة إذا أرادت بناء تحالفات ، وشراكات استراتيجية ناجحة في الشرق الاوسط ، خاصة بعد التحولات الاخيرة في العلاقات بين الجانبين ، بعد زيارة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان لموسكو في مايو من العام 2015 ، والذي نجح إلى حد كبير في إدارة مجالات الإختلاف بين البلدين ، وتعظيم جانب التوافق في العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك بينهما .
في هذه الزيارة الاستثنائية بكل المقاييس ، واستجابة للدعوة الروسية ، ذهب الملك سلمان بن عبدالعزيز كأول ملك سعودي يزور موسكو بعد عقود مما يشبه الجمود السياسي بين البلدين ، في دليل واضح على تغير النهج السياسي السعودي ، الذي كان يحقق نتائج مرضية سابقا بخطى ثقيلة تتسم بالحكمة ، اما الآن فالأهداف السياسية تتحقق بنفس الحكمة والرزانة ، ولكن بخطى أكثر تسارعا ، مع اعطاء الدبلوماسية السعودية قوة إضافية تتناسب مع مكانتها وحجمها . هذا النهج الجديد للسياسة السعودية تزامن أيضا مع التغير في السياسية الروسية الواضح واتخاذها لزمام المبادرة بعد أن كانت سياسية تعتمد على ردة الفعل.
جاء الملك ، ففرش القيصر سجاد دولته الأحمر احتفاء به ، وامتدت صور خادم الحرمين الشريفين وعبارات الترحيب باللغة العربية الى جانب اللغة الروسية الممتدة على طول الطريق المؤدي من المطار الى وسط العاصمة موسكو كدليل على عظم مكانة الضيف.
كان الاستقبال استثنائيا في الكرملين ، بمظاهر بروتوكول روسي طغى عليه طابع الفخامة والحفاوة التي تليق بحجم وثقل الملك .
هذا الكرم في الضيافة ، والحفاوة في الاستقبال ، لم يثني ملك الحزم وهو المخضرم في هذا المجال عبر سنين امتدت لأكثر من خمسين عاما عن مواجهة الدب الروسي في نقاط اختلاف كثيرة ابرزها تتعلق بالملفات الإيرانية واليمنية والسورية .
فذكر صراحة في خطابه للقيصر الروسي أن أمن واستقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط ضرورة قصوى لتحقيق الأمن والاستقرار العالمي ، وهو ما يستوجب التزام إيران بالكف عن تدخلاتها في شؤون دول المنطقة، وزعزعة الأمن والاستقرار فيها .
وفي الملف اليمني أكد على أهمية الحل السياسي للأزمة اليمنية وفقاً للمبادرة الخليجية وبما يحفظ لليمن وحدته ويحقق أمنه واستقراره.
ولم يغفل خادم الحرمين الشريفين القضية الفلسطينية ، إذ دعا إلى ضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، وأن تكون مبادرة السلام العربية وقرارات الشرعية الدولية المرجعية للوصول إلى سلام شامل وعادل ودائم يكفل حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس .
وكذلك في الجانب السوري والجانب العراقي شدد على أهمية وحدة وسلامة أراضي البلدين .
هذا ماعهدناه عن السياسة السعودية ، الوضوح في المواقف ، والدفاع ليس عن قضاياها فقط ، بل دعم قضايا العرب والمسلمين والدفاع عنهم في كافة المحافل ، من منطلق دورها المحوري كقوة عربية و إقليمية وإسلامية رائدة في المنطقة ، خاصة أن هذه الزيارة تأتي في وقت تمر فيه المنطقة بظروف وأزمات كبيرة تعد ضمن أطول الأزمات التي مرت بها ، تتمثل أبرزها في عدم استقرار العديد من دول المنطقة ، وانتشار ظاهرة الإرهاب ، وانهيارات السوق النفطية .
هذه الزيارة التاريخية تكللت ايضا بالنجاح في مجالات أخرى نذكر منها اختصارا : الاعلان عن عقد لشراء أنظمة دفاع جوي روسية اس-400 ، وعقود اخرى بمليارات الدولارات تتضمن فرص استثمارية بين الطرفين ، تشتمل على نقل التكنولوجيا والتدريب وغير ذلك الكثير في مجال الطاقة والبتروكيماويات والبنية التحتية .
ناهيك عن الوصول لرؤى مشتركة حول أهمية دعم اسعار النفط ، وهو المجال الذي يؤرق الروس أكثر من السعوديين .
وخلاصة القول فإني أجزم بحول الله بأن أولى نتائج هذه الزيارة سوف تكون إعادة ترتيب الأوراق بشكل يقود المنطقة إلى مرحلة أكثر استقرارا وأمنا سياسيا واقتصاديا ، وإن كل هذه الجهود التي تبذلها القيادة السعودية الحكيمة والتي تتواكب مع رؤيتها الاقتصادية 2030 تهدف لجعل السعودية قوة رائدة ستمكنها بإذن الله من منافسة عمالقة العالم ، مع التاكيد على أن هذا النجاح وهذه القوة ستنعكس إيجابا في مصلحة كافة الدول العربية والإسلامية.


نايف بن سعيد العطوي

nayif_saeed@hotmail.com


بواسطة : نايف سعيد العطوي
 5  0