لم تعد العيادات اليوم مزدحمة بالمرضى بحثًا عن العلاج الجسدي فحسب، بل غدت مكتظة بالباحثين عن الطمأنينة والراحة من أوجاع النفس وضغوط الحياة. رجال ونساء في أعمار متقاربة، يشكون الصداع والقولون وآلام الصدر والقلق، وكأن أجسادهم تصرخ بما لم تستطع أرواحهم التعبير عنه.
لكن، هل كل تلك الأعراض حقًا من المرض؟ أم أن جزءًا منها صدى للعزلة وقلة التواصل؟
قديماً، كانت الحياة أبسط، لكنها أدفأ. قهوة الضحى مع الجيران، لقاء مسائي مع الأهل أو الأصحاب، حديث عابر يبدد الهمّ ويجدد الطاقة. لم تكن هناك مواعيد معقّدة ولا ضيافة متكلّفة. كان الباب مفتوحًا والقلوب أكثر انفتاحًا.
اليوم تغيّرت الثقافة، وتحوّل الاجتماع من البيوت إلى الكافيهات. أصبح اللقاء مشروطًا بدعوة رسمية، ومقعد محجوز، وصوت موسيقى يطغى على الأحاديث. ومع أن تلك الأماكن تخلق لحظات جميلة، إلا أنها تبقى عاجزة عن تعويض دفء البيت، ولا تمنح الألفة التي تصنعها جلسة عفوية في غرفة جلوس بسيطة بين الأهل أو الجيران.
النتيجة أننا عشنا في بيوت أنيقة مؤثثة لكنها شبه مغلقة، واستبدلنا دفء العلاقات ببرود اللقاءات العابرة، حتى صار كثير منا يعيش وحيدًا بين جدران مزدحمة بالأثاث لكنها خاوية من الضحكات.
الحقيقة أن الإنسان، رجلًا كان أو امرأة، يحتاج لغيره ليبقى متوازنًا. المرأة تشتاق لثرثرة أخواتها وصديقاتها، والرجل يجد راحته في جلسة صفاء مع إخوانه وأصحابه. من دون هذه اللقاءات البسيطة، تتراكم الضغوط حتى تتحوّل إلى علل نفسية وجسدية.
الحل ليس في المزيد من الأدوية، بل في عودة الونس.
فلنعد لروح البساطة: لقاءات صغيرة متكررة، بلا تكلف ولا بهرجة. نفتح بيوتنا، نعيد الماضي الحلو، ونزرع فيها الحياة من جديد.
فالبيوت مهما بلغت أناقتها، تظل ناقصة إن لم تمتلئ بأصوات الأهل والأحباب


اترك تعليقاً