الْفَتْقُ وَالرَّتْقُ: هَنْدَسَةُ الْوَعْيِ بَيْنَ الِانْشِقَاقِ وَالِاتِّسَاقِ

ع
تعيش النفس في رحلتها الوجودية حركة مزدوجة تتأرجح بين الفتق والرتق بين لحظة الانشقاق الأولى وعودة الاتساق الأخيرة ويتحوّل هذان المفهومان اللذان ارتبطا في أصلهما بالكون إلى جدليّة داخلية حيّة تكشف مسار النفس بين الانفصال والاكتمال ، فالفتق هو اللحظة التي تشعر فيها النفس أن وحدتها الأولى قد انشقت وتفكّكت وأنها خرجت من ثباتها الداخلي نحو اتساع من الأسئلة والاضطرابات من خلال تجربتها الوجودية وفي تلك المرحلة تتوزّع الذات بين رغبات متعارضة وتبتعد عن مركزها الروحي ويفترق فيها الفكر عن الشعور وعن الجسد وكأن خيطاً محبوكاً بإحكام داخل نسيجه قد انفلت فجأًة وبدأ رحلة التيه ، غير أن الفتق ليس سقوطاً بل هو الشرخ الذي يوقظ النفس من سكونها فالنفس لاتدرك عمقها إلا حين تبتعد عنه ولاتعرف حقيقتها إلا حين تفقدها ولا تلتفت إلى مركزها إلا في حال اقتلاعها منه ، إنه بداية السؤال ولحظة انفتاح الوعي على ماكان غائباً خلف الاعتياد ومع ذلك لايبقى الانسان في فتقه إذ يأتي الرتق بوصفه عودته الجديدة إلى وحدته لكن لا كعودة إلى ماقبل التجربة بل كرجوع يحمل نضجاً أعمق و وعياً مختلفًا ، في الرتق تُعاد خياطة الداخل ، خياطة الذات بأصابع الحكمة وتُجمع الشظايا التي تناثرت وتتصالح النفس مع تناقضاتها ومع ماكان يمزقها ، يشبه الرتق تضميد الجرح لكنه لايخفي الندبة فندبة الوعي تبقى شاهدة على أن النفس تاهت ثم عرفت طريقها ، فانتقال النفس بين الفتق والرتق كحركتين أساسيتين تصنعان نضجها فهي لا تستقر في الانفصال ولا تقيم نهائياً في الالتئام ، في فتقها تتعرى من يقينها وتواجه هشاشتها ، وفي رتقها تستعيد اتساقها وتعيد ترتيب عمقها وفي المسافة بين الشرخ والالتئام تنمو الروح ويتكون ذلك الوعي الذي لايصنعه الاتساق وحده ولا الانكسار وحده بل تفاعلهما معاً فكل فتق يوقظ وكل رتق يرفع وعياً جديداً حتى تصبح النفس نسخة أعمق من ذاتها الأولى تحمل التجربة دون أن تُسحق بها وتعود إلى وحدتها وهي أكثر قدرة على فهم وجودها ومعناه ..


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *