الِانْعِتَاقُ مِنْ الْعَقْلِ الْخَطِّيِّ: رِحْلَةُ الْوَعْيِ فَوْقَ مَسَارَاتِ الْوَاقِعِ وَالْمُتَخَيَّلِ

تبدو العلاقة بين الحقيقة والأسطورة في ظاهرها الأول علاقة تضاد حاد لا يقبل الالتباس ، وأكثر تعقيداً مما يسمح به التصنيف التقليدي فالفصل الحاد بينهما ليس إلا نتاجاً لهيمنة العقل ومنطقه الخطي ونتاجاً لاستراتيجية ذهنيّة تحاول أن تنظّم العالم عبر ثنائيات واضحة ، لا لأن هذه الثنائيات تعبّر عن طبيعة الوجود ، بل لأنها تمنح العقل وهماً بالسيطرة والاتساق ، ولكن حين تخرج الذات من هذه البنية الذهنية ولو لحظة واحدة تنكشف المفارقة ، كلتاهما تنبعان من جذر واحد هو التجربة الوجوديّة الأولى ، وفي اللحظة التي يتخفّف فيها الوعي من صرامة منطقه ، يبدأ في إعادة اكتشاف ماحاول العقل طمسه تحت مسميات “الواقع والعقلانيّة ” هُنا يتجلّى أن الحقيقة مهما بدت صلبة تحمل في داخلها بُعداً أسطورياً : رمزاً أو ظلاً أو سرداً مؤسِّساً لايمكن التحقق منه بالطرق التقليدية ، وفي المقابل تتبّين أن الأسطورة مهما بدت حكاية مُتخيَّلة تحتوي على نواة من الحقيقة العميقة التي لاتُدرك إلا بالحدس أو البصيرة ، هي بنية إبستمولوجية تعيد ترتيب العلاقة بين المعرفة والخيال ، فالأسطورة ليست هروباً من الواقع بل هي شكل من أشكال قراءاته من موقع أعلى ، من موقع يرى العالم لابوصفه سلسلة وقائع بل بوصفه تجلياً متكرّراً لمعنى ، وعندما يصل الانسان إلى هذا المستوى من الادراك يجد نفسه واقفاً على صراط الحياد ، ذلك الصراط الذي لاينتمي للحقيقة ولا للأسطورة ” عالم الثنائيات ” بل يعبر فوقهما ، وفي هذا الموضع يصبح الانحياز لأي منهما ضرباً من محدودية النظر فالمطلب الحقيقي ليس في اختيار أحد الطرفين بل في تتبع الضوء الداخلي الذي يقود الذات إلى معناها الخالص إلى حقيقتها التي لاتشبه أي تعريف مسبق ، هذا الضوء لايعمل بمنطق العقل بل بمنطق الكشف فلا يتحرك وفق خطوات مرتبة بل يشبه ومضة تسقط على الوعي ” معنى كان يتوارى خلف الظواهر ” هي لحظة الانعتاق من يقينياتٍ اعتاد العقل أن يستخدمها عكازاً ، فيكتشف الانسان أن اليقين ذاته يمكن أن يكون قيداً وأن الشك قد يكون الطريق الأصدق نحو الادراك .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *