يمكن لأي ضمير حيّ أن يتجاهل ما يتعرض له الجنوب اللبناني من اعتداءات صهيونية متصاعدة بلغت في الأيام الأخيرة مستوى غير مسبوق من الوحشية، قبل أن تمتد نيرانها إلى العاصمة بيروت ومدن وبلدات أخرى في خريطة باتت تُغرق لبنان كل يوم أكثر في جحيم الحرب. فالمشهد اليوم لم يعد مجرد اشتباكات حدودية، بل عدوان شامل يكرر فصول المأساة التي عاشتها غزّة، وكأنّ إسرائيل تُعيد إنتاج ذات السيناريو الدموي على أرض جديدة.
منذ انطلاق العملية العسكرية الأميركية-الإسرائيلية على إيران، أخذ المشهد الإقليمي يتدحرج بسرعة نحو مزيد من التوتر، ودخل حزب الله على خط المواجهة باعتباره ذراعاً إيرانية في المنطقة، ليزجّ بلبنان في حرب ليست حربه، ويفتح على شعبه أبواب الخراب والدمار، خدمةً لأجندة خارجية يدفع اللبنانيون وحدهم ثمنها. فالحزب الذي يدّعي “حماية لبنان” لم يجرّه إلا إلى خطوط النار، ولم يجلب له إلا العقوبات والعزلة والانهيار، واليوم يجلب له دماراً جديداً يهدد كيانه واستقراره ومستقبله.
الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة لم تكتفِ بقصف الجنوب، بل تجاوزت كل الخطوط بقصف أحياء سكنية في بيروت ومناطق أخرى، في هجوم هو الأعنف منذ بداية التصعيد، راح ضحيته عشرات الأبرياء الذين لا علاقة لهم بصراع القوى الكبرى ولا بمشاريع النفوذ ولا بحسابات الميليشيات. تدكّ إسرائيل المدن، وتستهدف المدنيين، وتخرق الأعراف الدولية، وتمضي في غطرستها دون أي رادع، لأن تاريخها قائم على ضرب المواثيق عرض الحائط، وهذا ديدنها منذ قامت على أنقاض الشعوب ودماء الأبرياء.
لكن الخطر الأكبر اليوم ليس العدوان وحده، بل أن يتحول لبنان إلى غزّة أخرى—منطقة محاصرة، مدمرة، تُدار بالميليشيات، وتُستَخدم ساحة لتصفية الحسابات، فيما يبقى الشعب وحده تحت الركام. لبنان بلد له تاريخه وثقافته ودوره العربي، وليس ساحة مستباحة لصراع أميركي-إسرائيلي-إيراني تُشعل نيرانه جماعة مسلحة متحالفة مع طهران لا تعبأ بحدود الدولة ولا بسيادتها ولا بحياة أهلها.
جرائم إسرائيل واضحة مدانة، فهي قوة احتلال لا تتوقف عن قتل الأبرياء وتدمير المدن وارتكاب الانتهاكات، لكن تورّط حزب الله في زجّ البلاد في مواجهة عسكرية شاملة يضاعف المأساة ويمنح إسرائيل الذريعة لاستباحة لبنان. فلبنان اليوم يُدفع إلى حرب بالوكالة عن إيران، بينما شعبه يبحث عن لقمة العيش وعن بارقة أمل في دولة تكاد تنهار.
إنّ صون لبنان وحمايته لن يكون بالاصطفافات الخارجية ولا بالشعارات ولا بالميليشيات، بل بإعادة القرار إلى الدولة، وبناء موقف لبناني وعربي ودولي يضع حداً للعدوان، ويمنع تحويل لبنان إلى نسخة أخرى من غزّة. فبلدٌ كهذا لا يستحق أن يكون ساحة دمار، ولا ينبغي لأحد—صهيونياً كان أو تابعاً لطهران—أن يقرر مصيره نيابة عن شعبه.
لبنان يستحق الحياة… ويستحق أن يبقى بعيداً عن نيران الآخرين.
عبدالرحمن محمد العطوي

اترك تعليقاً