في لحظاتٍ من العمر، يقف الإنسان طويلًا أمام ذاكرته؛ لا ليعدّ السنوات، بل ليزن المواقف، ولا ليحصي الأيام، بل ليستحضر الوجوه التي صنعت الفرق.
وحين أعود بذاكرتي إلى سنوات عملي مديرًا لمدرسة خبيب بن عدي المتوسطة، أجدني أمام سجلٍ لا يُكتب بالحبر، بل يُحفر في القلب؛ سجلٍ عنوانه رجال صدقوا في عملهم، وأخلصوا في عطائهم. كانوا أكثر من زملاء، بل إخوة شدّوا الأزر، ورفعوا الهمّة، وساروا معي في طريقٍ لم يكن مفروشًا بالسهولة، لكنه كان مزدانًا بالإخلاص والتكاتف.
ما بين صباحات المدرسة، وضجيج الحصص، وهمسات النصح، واجتماعات الرأي، تشكّلت حكاية وفاء لا تشبه سواها؛ حكاية رجالٍ إذا حضروا حضر معهم الإخلاص، وإذا عملوا أجادوا، وإذا أوفوا أدهشوا.
وحين جاءت لحظة التقاعد، أبى أولئك الرجال إلا أن يكتبوا ختامًا يليق بالبدايات؛ فكان حفل التكريم الذي أقاموه لي مشهدًا لا يمكن أن يُختزل في كلمات، ولا أن يُحاط بوصف. كان وفاءً يتجسّد أمامي، وقلوبًا تتحدث قبل الألسن، وصدقًا يفيض في كل تفصيلة من تفاصيل ذلك اللقاء. شعرت حينها أنني لم أكن مديرًا لمدرسة، بل كنت واحدًا من أسرة كبيرة تحفظ الود، وتعرف قيمة العِشرة.
وقبل ذلك، كان حفل تكريم الطلاب شاهدًا آخر على عظمة هذه الكوكبة من المعلمين، بقيادة الزميل الوفي الأستاذ ماجد الجهني؛ حيث رأيت في أعينهم حرص الأب، وفي أعمالهم صدق المربي، وفي جهودهم صورة المعلم الحقيقي الذي لا يكتفي بأداء واجبه، بل يتجاوزه إلى صناعة الأثر في نفوس طلابه. فكان ذلك اليوم درسًا في العطاء قبل أن يكون احتفالًا، ودرسًا في الوفاء قبل أن يكون تكريمًا.
وأستذكر كذلك، بعد عودة الدراسة حضوريًا في جائحة كورونا، موقفًا لا يُنسى. فقد كانت هناك ظروف خاصة في المدرسة الابتدائية المجاورة لمبنى مدرستنا، مع احتمالية الاستفادة من الدور الثالث لدينا مؤقتًا. وبلغني حينها مدير التعليم بمنطقة تبوك، الأستاذ ماجد القعير، بأنه سيزور المدرسة في مساء ذلك اليوم، برفقة عدد من المسؤولين، للوقوف على جاهزيتها.
ورغم أن ذلك اليوم كان ماطرًا، أرسلت رسالة في مجموعة الزملاء، أطلب فيها حضور من تسمح له ظروفه، رغم أن الوقت خارج الدوام الرسمي. فكان الحضور لافتًا؛ إذ حضر جميع المعلمين والإداريين، عدا زميلين اعتذرا لظروف خاصة.
وعندما حضر مدير التعليم ومرافقوه، وشاهدوا المدرسة وكأنها تعمل في فترة مسائية من كثافة الحضور، قال عبارته التي لا تزال عالقة في ذاكرتي:
“حين رأيت هذا المشهد، أدركت أنكم على قدر المسؤولية، وأن الحمل الذي كنا نخشاه قد زال بهذا التعاون.”
وكان ذلك الموقف شاهدًا على روح الفريق التي كانت تسود المكان، وهو ما نطمح أن يكون نموذجًا في كل مدرسة.
ثمانية أعوام قضيناها أسرةً واحدة في متوسطة خبيب بن عدي، التي كانت مثالًا يُحتذى به بين مدارس تبوك، بشهادة كل مشرف زارها، وما ذلك إلا نتيجة تعاون الزملاء، ووقوفهم صفًا واحدًا في كل ظرف يستدعي تلك الوقفة.
واليوم، ترسّخت هذه الصورة حين طرق باب منزلي عدد من الزملاء، ممن سمحت لهم ظروفهم بالحضور، يحملون أصدق المشاعر، ونبل الوفاء، وعمق العلاقة التي لم تنتهِ بانتهاء العمل، ولم تتوقف بخروجنا من أسوار المدرسة. وذلك بتنسيق من الأخ والزميل والصديق العزيز الأستاذ عبيد العنزي، في زيارة ستبقى في الذاكرة ما حييت؛ لأن ما يجمعنا رابطٌ صادق، لا تفسده الأيام، ولا تغيّره الظروف.
أيها الزملاء الكرام…
لقد كنتم في مسيرتي أجمل ما فيها، وفي أيامي أثمن ما مرّ بها. كنتم في الذاكرة صورة لا تغيب، وفي القلب مكان لا يُزاح. وما قدمتموه من وفاء سيبقى دينًا من المحبة لا يُقضى، ووسام فخر أعلّقه على صدري ما حييت.
فشكرًا لكم بحجم ما قدمتم وأكثر…
شكرًا لقلوبٍ لا تعرف إلا الصفاء،
ولرجالٍ إذا ذُكر الوفاء كانوا أول الحاضرين،
وإذا سُطّرت المواقف كانوا أصدق العناوين.
شكرًا للأستاذ عبيد العنزي،
شكرًا للأستاذ ماجد الجهني،
شكرًا للأستاذ سلمان الصيعري،
شكرًا للأستاذ هاني العنزي،
شكرًا للأستاذ صالح البلوي،
شكرًا للأستاذ خالد العنزي،
وشكرًا لكم جميعًا زملائي في متوسطة خبيب بن عدي.
وستبقى هذه المدرسة، بقيادة من خلفنا في الإدارة، الدكتور مبارك العنزي، ووكيل المدرسة الأستاذ أحمد الشليبي العطوي، وكافة منسوبيها، رمزًا للوفاء.
عبدالرحمن محمد العطوي

اترك تعليقاً