كان البروتوكول الصيني محسوباً بدقة حتى ترتيب الوقوف، اللقطات التلفزيونية، حجم القاعات، وطريقة المصافحة كانت مصممة لإظهار:الاحترام للرئيس لكن بدون إظهار خضوع٠وإظهار شي كرجل دولة هادئ وثابت مقابل أسلوب ترامب الأكثر اندفاعاً ٠لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية أو دبلوماسية عادية، بل جاءت ضمن صراع استراتيجي طويل بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم.
الهدف الأساسي من الزيارة كان إدارة التنافس مع الصين، وليس إنهاءه. فالولايات المتحدة تدرك أن صعود الصين الاقتصادي والتكنولوجي يهدد هيمنتها العالمية، بينما ترى الصين أن الوقت قد حان لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري. “أمريكا تدرك أن زمن الهيمنة المطلقة يتآكل، لذلك تتحرك لاحتواء الصين قبل أن تتحول من قوة اقتصادية إلى قائد عالمي كامل. أما الصين فتلعب بهدوء: تبني الاقتصاد، تشتري النفوذ، وتترك واشنطن تستنزف نفسها بالصراعات والحروب والعقوبات. لذلك كل زيارة بين الطرفين ليست دبلوماسية بريئة، بل مواجهة باردة لتحديد من سيكتب شكل العالم القادم.
ركز ترامب خلال الزيارة على عدة ملفات رئيسية: تقليص العجز التجاري الأمريكي، الضغط على الصين فيما يتعلق بالملكية الفكرية والتكنولوجيا، ومحاولة إعادة التوازن للعلاقات الاقتصادية التي تعتبرها واشنطن منحازة لبكين. كما حملت الزيارة بعدًا جيوسياسيًا مهمًا يتعلق بتايوان، وبحر الصين الجنوبي، والنفوذ الصيني المتزايد في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.
في المقابل، سعت الصين إلى تقديم نفسها كقوة عالمية مستقرة وقادرة على التفاوض من موقع الندّية، مع محاولة احتواء التصعيد الأمريكي دون تقديم تنازلات جوهرية تمس مشروعها الاستراتيجي طويل المدى.
باختصار، زيارة ترامب للصين كانت محاولة لإعادة رسم قواعد العلاقة بين القوتين: أمريكا تريد إبطاء صعود الصين، والصين تريد تثبيت نفسها كقوة لا يمكن احتواؤها أو تجاهلها .غادر الوفد الأمريكي بكين، لكن الطائرة التي أقلعت لم تكن تحمل نفس الهيبة التي جاءت بها. لقد كشفت بكين للعالم أن القوة لا تكمن في التهديدات التويترية أو الضجيج الإعلامي، بل في الثبات الاستراتيجي والكرامة الوطنية ،، في تلك الليلة، لم ينكسر أنف ترامب فحسب، بل انكسرت معه حقبة “الهيمنة المطلقة”. رحل ترامب وهو يدرك، ربما لأول مرة، أن “عِلية القوم” في نظره، ليسوا سوى ضيوف عاديين جداً في حضرة التنين الذي لا ينام *
بقلم
ل/م
عبد الله بن كريم العطيات
زيارة ترامب للصين.. لحظة فارقة في هندسة القرن السياسي الجديد
رد واحد على “زيارة ترامب للصين.. لحظة فارقة في هندسة القرن السياسي الجديد”
-
كل الشكر والتقدير لسعادة اللواء على هذا المقال المميز الذي تناول زيارة ترامب إلى الصين بأسلوبٍ عميق وتحليلٍ ثري، وأضاء أبعادها السياسية والاستراتيجية بصورة احترافية. مقال يحمل رؤية واعية وطرحًا راقيًا يعكس خبرة وفكرًا واسعًا في قراءة التحولات الدولية وصناعة المشهد السياسي الجديد. كل الثناء على هذا القلم المبدع، ودام هذا العطاء الفكري المميز

اترك تعليقاً