الحجّ أعظم رحلة..

كان للمعتقدات الدينية أثرٌ بالغ في تشكيل فكر الإنسان القديم في شبه الجزيرة العربية، وانعكس ذلك على حياته العامة والخاصة. وقد مرّت هذه المعتقدات بمراحل متعددة من التطور، توافقت مع البيئة الطبيعية التي عاش فيها الإنسان، ومع التحولات الاجتماعية التي انتقلت به من حياة البداوة والترحال إلى الاستقرار والتحضر في مختلف مناطق الجزيرة العربية.

ففي المراحل الأولى، اتجه الإنسان إلى تقديس قوى الطبيعة المادية، فعبد الأحجار والأشجار وغيرها من الظواهر الطبيعية، وكان لكل جهة من جهات الجزيرة طقوسها ومعبوداتها الخاصة.

ويُعد الحج من أبرز الطقوس الدينية التي تجتمع فيها المكونات الأساسية للدين؛ من معتقد وطقس وأسطورة، إذ تسهم هذه العناصر في ترسيخ الإيمان وتوضيح معانيه في العقل والنفس. ويُقصد بالحج التوجّه إلى الأماكن المقدسة في زمن معلوم لأداء العبادات والشعائر التعبدية، والسير في مواكب إيمانية، والتطهر بالماء المبارك.

أما الحج في اللغة، فيعني القصد والقدوم وكثرة التردد، فيُقال: حجَّ المكان أي قصده وزاره، وحجَّ بنو فلانٍ فلانًا أي أكثروا التردد عليه، وقيل: حجَّ البيت أي أتاه الناس كل عام. وفي ذلك يقول المخبل السعدي:

وأشهدُ من عوفٍ حلولًا كثيرةً
يحجّون سبَّ الزبرقانِ المزعفرا

وقد وردت كلمة «حج» أيضًا في التوراة بمعنى: الدائرة أو المزار أو الموضع الذي يُقصد للعبادة، ولذلك كان لكل أمة أو بلد مكانٌ يجتمع فيه الناس لأداء الطقوس وفق معتقداتهم، حتى جاء الأمر الإلهي لنبي الله إبراهيم عليه السلام برفع قواعد البيت الحرام، ليصبح قبلةً للناس ومهوىً لأفئدتهم.

واقتضت الحكمة الإلهية أن تكون أم القرى في وادٍ غير ذي زرعٍ ولا ماء، لتتعلق بها قلوب المسلمين من شتى بقاع الأرض، وتتطلع النفوس إلى زيارتها والصلاة فيها وأداء المناسك العظيمة؛ طلبًا لرضا الله تعالى ونيلًا لثوابه وطاعته.

وقد عبّر أحد الشعراء عن المشاعر الروحية التي يعيشها الحاج عند ارتداء ملابس الإحرام، حيث يبدأ الإنسان بمراجعة نفسه واستحضار أعماله الماضية، فيؤنبها على ما بدر منها، سعيًا إلى توبة صادقة وإنابة خالصة، فقال:

حين ارتديتُ ملابسَ الإحرامِ
راجعتُ ما أسلفتُ في أيامي
كم مرةٍ بعتُ القناعةَ والرضا
وجمعتُ أرصدةً من الأوهامِ
وصحبتُ من أكل الحرامَ محللًا
للصاحبِ المزعومِ كلَّ حرامِ
فاغفرْ إلهَ العالمينَ لتائبٍ
بَسَّ الضلالُ ولجَّ في الآثامِ
ياربِّ إني قد خلعتُ ضلالتي
لما ارتديتُ ملابسَ الإحرامِ

وحجَّ عبد الله بن جعفر رضي الله عنه، ومعه ثلاثون راحلة، فآثر أن يمشي على قدميه حتى وقف بعرفة، ثم أعتق ثلاثين مملوكًا، وحملهم على ثلاثين راحلة، وأمر لكل واحد منهم بثلاثين ألفًا، وقال: «أعتقتهم لله تعالى؛ لعل الله أن يعتقني من النار».

وهكذا أدرك السلف الصالح قيمة هذه المواسم المباركة، فكانوا يرون فيها موسمًا للرحمات والمغفرة، وفرصةً للتوبة والإنابة، والسمو الروحي وصفاء النفس.

ويُختتم الحديث بقصة الحاج الياباني «تاناكا إيبيه»، الذي حج عام 1924م ضمن مجموعة من الحجاج اليابانيين بلغ عددهم خمسةً وتسعين حاجًا. وقد عانوا مشقةً عظيمة في رحلتهم البحرية إلى جدة، ثم انتقالهم إلى مكة على ظهور الدواب، حتى لم يَعُدْ سالمًا منهم بعد انتهاء الحج سوى ثمانيةٍ وعشرين حاجًا فقط، بينما توفي الباقون بسبب الإرهاق والمرض.

أما اليوم، وبعد بزوغ فجر الدولة السعودية المباركة، وما وفرته من أمنٍ للطرق، وتيسيرٍ للسبل، وعنايةٍ عظيمة بالحجاج والمعتمرين، فقد أصبحت رحلة الحج من أيسر الرحلات وأجملها أثرًا في ذاكرة الزائر. حفظ الله هذه البلاد المباركة، وبارك جهودها، وأدام عليها نعمة الأمن والخدمة للإسلام والمسلمين.

احمد عبد العزيز الحميدي
باحث في الأدب والتاريخ العربي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *