الزواج بين البركة والبهرجة
حين تتحول أفراح الزواج إلى مواسم ديون ومنافسات استعراضية
الزواج في جوهره ميثاق غليظ جعله الله سكنًا ومودة ورحمة، وبداية لحياة مستقرة تُبنى فيها الأسر وتنشأ فيها الأجيال. غير أن بعض الممارسات الاجتماعية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة أضعفت كثيرًا من المعاني الجميلة لهذه المناسبة العظيمة، وحولت بعض حفلات الزواج إلى ساحات للمبالغة والتفاخر والتنافس في المظاهر، حتى أصبح الزواج لدى بعض الشباب مشروعًا ماليًا مرهقًا يبدأ بالقروض وينتهي بسنوات من الالتزامات والديون.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على حفل زفاف يجتمع فيه الأهل والأصدقاء لمشاركة العروسين فرحتهما، بل امتد إلى سلسلة طويلة من المناسبات والتجهيزات المكلفة، بدءًا من الخطوبة والملكة وما يصاحبهما من هدايا واحتفالات، وصولًا إلى ليلة الزواج التي تحولت لدى البعض إلى سباق لإبهار الحضور واستعراض الإمكانات المالية الحقيقية أو الوهمية.
ولا شك أن هناك من أنعم الله عليهم بالسعة المالية ولا تمثل لهم هذه التكاليف عبئًا، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن غالبية الشباب وأسرهم ليسوا كذلك. ومع ذلك يجد كثير منهم أنفسهم مضطرين لمجاراة ما يرونه حولهم خوفًا من كلام الناس أو هربًا من المقارنات الاجتماعية، فيدخلون في دوامة من الديون تستنزف سنوات من أعمارهم من أجل ليلة تنتهي ساعاتها وتبقى تبعاتها المالية زمنًا طويلًا.
ومن المشاهد التي أصبحت تتكرر استئجار سيارات فارهة بمبالغ مرتفعة لمجرد الظهور أمام الحضور بصورة معينة أو التقاط الصور ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن قيمة الزواج تقاس بنوع السيارة أو حجم الموكب أو كثرة المظاهر المصاحبة له، بينما الحقيقة أن هذه الأمور لا تضيف شيئًا إلى استقرار الأسرة أو سعادة الزوجين.
إن الفرح بالزواج مطلب مشروع، بل هو من أجمل المناسبات الاجتماعية التي تستحق الاحتفاء وإظهار البهجة. وقد حث الإسلام على إعلان النكاح وإشهاره، لكن ذلك لا يعني المغالاة والإسراف وتحميل الشباب وأسرهم ما يفوق طاقتهم، فخير الأمور أوسطها، وأعظم الزيجات بركة أيسرها مؤونة وأقربها إلى الاعتدال.
ومن النماذج الاجتماعية المضيئة التي تستحق الإشادة ما تنتهجه قبيلة السليمات من بني عطية، إلى جانب عدد من العشائر الأخرى، من إقامة حفلات الزواج الجماعي بصورة سنوية، حيث يجتمع في المناسبة الواحدة أكثر من مائة عريس وعروس في مشهد يعكس روح التكافل والتعاون ويجسد المعنى الحقيقي للفرح الجماعي.
وقد أسهمت هذه المبادرات المباركة في تخفيف الأعباء المالية عن الشباب وأسرهم، ووفرت مبالغ كبيرة كان يمكن أن تُستهلك في مظاهر لا تحقق فائدة حقيقية، كما خففت عن الأقارب كثرة الارتباطات والمناسبات المتفرقة، إذ تقام في موعد محدد يجتمع فيه الجميع وتتحقق فيه الفرحة والبركة والتيسير.
إن المجتمع اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة لبعض الممارسات التي أصبحت تؤخر زواج الشباب وتستنزف إمكاناتهم دون مبرر حقيقي. فنجاح الحياة الزوجية لا تصنعه قاعات الأفراح الفخمة، ولا مواكب السيارات، ولا كثرة الولائم، بل تصنعه المودة والرحمة والتفاهم وحسن العشرة والقدرة على بناء حياة مستقرة وآمنة.
وإذا أردنا مواجهة هذه الظاهرة بصدق، فعلينا إعادة الاعتبار لقيم التيسير والاعتدال، وتشجيع النماذج الناجحة التي خففت التكاليف وحققت المقاصد النبيلة للزواج بعيدًا عن المبالغات، وأن ندرك أن البركة لا تقاس بحجم الإنفاق، وإنما بما يحل في البيوت من سكينة واستقرار وتوفيق.
وفي الختام، نسأل الله أن يبارك للمتزوجين، وأن يجمع بينهم على خير، وأن يجعل بيوتهم عامرة بالمودة والرحمة والسعادة، وأن يرزق شبابنا وفتياتنا حياة كريمة مستقرة بعيدة عن أثقال الديون وأعباء المظاهر، وأن يوفق المجتمع إلى تبني ثقافة التيسير التي تحقق الفرح الحقيقي وتحفظ للأسر أموالها وللشباب مستقبلهم، وللزواج مكانته السامية التي أرادها الله له.
عبدالرحمن محمد العطوي

