كثيرًا ما نسمع عبارة: «الزمن تغير»، حتى أصبحت جوابًا جاهزًا لكل مشهد جديد، ولكل عادة مختلفة، ولكل تصرف لا يشبه ما اعتدناه في سنوات مضت.
لكن كلما تأملت هذه العبارة، وجدت أن الزمن لم يتغير كما نظن.
فالزمن هو الزمن، والأيام تمضي كما كانت، والسنون تتعاقب كما تعاقبت على من قبلنا. الذي تغير في الحقيقة هو طريقة الحياة، وأولويات الناس، والظروف التي يعيشونها.
قبل ثلاثين أو أربعين عامًا كانت الحياة مختلفة. كانت الخيارات أقل، وكانت تفاصيل اليوم أبسط، وكانت وتيرة الحياة أهدأ مما نعرفه اليوم.
أما اليوم فأصبح العالم أقرب، والمعرفة أوسع، والسفر أسهل، والتقنية حاضرة في أدق تفاصيل حياتنا.
كانت اللقاءات قبل سنوات طويلة أبسط بكثير. يجتمع الأصدقاء في مجلس أو منزل أحدهم، لا لأن تلك الطريقة أفضل من غيرها، بل لأنها كانت جزءًا من حياة ذلك الوقت. واليوم يلتقي الأصدقاء بطرق مختلفة وفي أماكن مختلفة، لكن اختلاف المكان لا يعني بالضرورة اختلاف القيم.
وتغيرت تبعًا لذلك طريقة تواصل الناس، وطريقة عملهم، وطريقة قضاء أوقاتهم، وطريقة لقاءاتهم واهتماماتهم.
ولذلك فإن الاختلاف الذي نراه اليوم ليس بالضرورة اختلاف قيم، بقدر ما هو اختلاف في أسلوب الحياة الذي تعيش فيه تلك القيم.
ولهذا ليس من الإنصاف أن نقارن جيل اليوم بجيل عاش قبل ثلاثين أو أربعين عامًا، وكأنهما عاشا الظروف نفسها.
فجيل اليوم لم يختر الحياة التي وجد نفسه فيها، كما أن من سبقه لم يختر الحياة التي عاشها في زمانه. فلكل جيل واقعه، ولكل مرحلة ظروفها، ولكل زمن أدواته.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من القيم التي عرفها المجتمع ما زالت حاضرة. فما زلنا نرى الوفاء، والمروءة، والنخوة، والكرم، والوقوف مع الأهل والأصدقاء وقت الحاجة.
تغيرت أساليب الحياة، لكن لم تتغير معاني الوفاء.
تغيرت التفاصيل اليومية، لكن لم تختفِ الشهامة.
والحقيقة أن جيل اليوم ليس وحده من تغير، نحن أيضًا تغيرنا. تأقلمنا مع التقنية، وتبدلت عاداتنا اليومية، وأصبحنا جزءًا من هذا التحول الكبير الذي نعيشه جميعًا.
ولهذا فإن القضية ليست قضية مقارنة بين جيل وآخر، بل قضية حياة تتغير باستمرار ويتغير معها الجميع.
وليس المقصود من ذلك أن جيل اليوم بلا أخطاء، أو أن الأجيال السابقة كانت خالية من العيوب. فلكل جيل أخطاؤه، ولكل زمن ما يؤخذ عليه وما يحسب له.
لكن الإنصاف يقتضي أن نفهم الناس في سياق حياتهم، لا أن نحاكمهم بظروف لم يعيشوها.
أما الوفاء والكرم والنخوة والشهامة، فلم تكن حكرًا على جيل دون آخر، كما أن الخطأ لم يكن يومًا حكرًا على جيل دون آخر.
فالذي تغير ليس الزمن بقدر ما تغيرت طريقة عيشنا له

اترك تعليقاً