«أنا أعشقكم»

قالها أميرٌ عرف تبوك أرضًا وإنسانًا، وعاش تفاصيلها، ورافق نهضتها، واقترب من أهلها حتى صار حضوره جزءًا من طمأنينتهم، وصارت محبتهم له أكبر من أن تختصرها مراسم الاستقبال. ليست الكلماتُ في حقيقتها ألفاظًا تُستودَع الآذان، وإنما هي أقدارٌ إذا صدقت، نزلت منازلها من القلوب. وربَّ كلمةٍ ضاقت عنها المعاجم، ثم وسعتها المحبة، وربَّ عبارةٍ عبرت الشفاه، ولكنها آثرت أن تقيم في الضمائر، لأنها خرجت من معدن الصدق لا من صناعة البيان.
ومن هذا القبيل كانت كلمة صاحب السمو الملكي الأمير /فهد بن سلطان بن عبدالعزيز لأهالي تبوك: «أنا أعشقكم».
ما قالها ليُسمِع الناس، وإنما قالها لأن القلب إذا امتلأ بالودِّ ضاق عنه الصمت. ولم تكن العبارة وليدة لحظة، بل ثمرة زمنٍ تخمَّرت فيه المواقف، وتعاقبت فيه الأيام، حتى صار الوفاءُ خُلُقًا، والمحبةُ سجيَّة، والإنسانُ عنوان الحكاية كلها.
إن الهيبة تُقيمها المناصب، أما المودَّة فلا يقيمها إلا صفاء السريرة. والسلطانُ قد يملك القرار، لكنه لا يملك الأفئدة إلا إذا سبق إليها بجميل الأثر. ولهذا لم تكن تبوك تستقبل أميرًا عاد من رحلة علاج، بقدر ما كانت تستردُّ صفحةً من سكينتها، وصوتًا ألفته في مواطن الشدة والرخاء، حتى غدا حضوره من طبائع المكان، لا من طوارئ الزمان.
وهكذا بقيت تلك الكلمات أكبر من عددها، وأوسع من معناها القريب؛ لأنها لم تكن خبرًا يُروى، بل شهادةً نطق بها قلبٌ عرف أهله، فعرفوه. وستظل «أنا أعشقكم» من تلك العبارات التي لا يطويها انقضاء المناسبة، لأنها لم تُكتب بمِداد الأقلام، وإنما خُطَّت بما هو أبقى بمِداد الوفاء ولأن المشاعر الصادقة لا تعرف التكلّف، جاءت العبارة كما يولد النبع من أعماق الأرض؛ عذبةً، صافيةً، لا تحتاج إلى زخرف البيان كي تُقنع، ولا إلى صنعة البلاغة كي تؤثر. ففي بعض المواقف، تصبح الكلمة الصادقة أبلغ من دواوين الأدب، وأخلد من أفصح الخطب. ولم يسمع أهل تبوك عبارة «أنا أعشقكم» بآذانهم وحدها، بل تلقوها بما اختزنته ذاكرتهم من سنواتٍ طويلة. فكلٌّ منهم وجد في تلك الكلمة موقفًا يتذكره، أو مشروعًا شهده، أو لقاءً حضره، أو دعوةً رفعها يوم غاب الأمير، حتى بدت العبارة وكأنها جوابٌ عن آلاف الدعوات التي ارتفعت إلى السماء، أكثر من كونها كلمةً قيلت على الأرض. وإذا كانت الأمم تُخلِّد قادتها بما شيّدوه من عمران، فإنها تخلّدهم أيضًا بما شيّدوه في القلوب. أما المباني فيأتي عليها الزمن، وأما المحبة الصادقة فتبقى عصيّةً على التقادم، وبعض الروابط لا يفسرها التاريخ وحده، لأنها تُبنى في مكانٍ أعمق مكانٍ اسمه القلب. وفي النهاية، تبقى هذه العبارة شاهداً على علاقة متبادلة، اختصرها الأمير بكلمتين، وردّ عليها الأهالي بمشاعر صادقة ودعاء: حفظ الله الأمير فهد بن سلطان، وأدام عليه موفور الصحة والعافيه*
بقلم
اللواء/متقاعد
عبد الله بن كريم بن عطيه


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *