سبحان من جعل للقلوب فقهًا لا تدركه الألسنة، وأودع الضمائر سرًّا لا تبلغه صناعة البيان؛ فهي إذا أحبت استغنت عن البرهان، وإذا صدقت أغناها الصدق عن كل زخرف. ولذلك فما كلُّ ازدحامٍ آيةُ ولاءٍ، ولا كلُّ احتفاءٍ شاهدُ وفاءٍ؛ فإن الناس قد تجمعهم الهيبة ما دامت أسبابها قائمة، فإذا انقضت تفرقوا، وقد تستميلهم الرغبة ما بقيت منافعها، فإذا انصرمت انصرفوا. أما اجتماع الأرواح على رجل، فذلك أمر لا تجري به سنن السياسة، وإنما يجري به لطف العناية، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾؛ فهو ودٌّ يكتبه الله في الصحائف قبل أن يكتبه الناس في القلوب. ومن هذا الباب يُفهم ما شهدته تبوك وهي تحتفل مساء الأربعاء بصاحب السمو الملكي الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، بعد أن ألبسه الله ثوب العافية؛ فما كان ذلك الاجتماع رسمًا من رسوم المناسبات، ولا أثرًا من آثار البروتوكول، وإنما كان فيضَ شوقٍ طال احتباسه، وانبعاثَ وفاءٍ تراكمت أسبابه حتى ضاقت به الصدور. وكان الناس، وهم يزاحمون إلى لقائه، كأنما يترجمون بأفعالهم الحديث الشريف: «ثم يوضع له القبول في الأرض»؛ إذ ليس القبول مما تنسجه الألقاب، ولا مما تصوغه المناصب، ولكنه رزق من الله، إذا أودعه قلبًا تلقته القلوب بالفطرة قبل أن تعرفه الألسنة. ولقد طال عهدُ الأمير بأهله حتى غدا ذكرُه جزءًا من ذاكرة المكان، وما ذاك لأن الولاية تدوم، فإن الولاية عرض زائل، ولكن لأن المعروف إذا تكرر صار طبعًا، والإحسان إذا استقام صار تاريخًا. وقد جمع الله هذين الأصلين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾؛ فالعدل يطمئن النفوس إلى حقوقها، والإحسان يستنزل مودتها، وإذا اقترنا في رجل دانت له القلوب طوعًا؛ إذ لا سلطان على الضمائر إلا سلطان الفضيلة. وما استقر الرجل في وجدان الناس إلا بما ألفوا منه من لين الجانب، وسعة الصدر، وحسن الدنو؛ فإن القلوب تنقبض من الغلظة وإن أطاعتها الجوارح، وتأنس إلى الرحمة وإن باعدت بينها المسافات. ولذلك جاء الخطاب الإلهي للنبي ﷺ أصلًا خالدًا في سياسة النفوس: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾؛ فالرعية قد تحملها الرهبة على الاجتماع، ولكنها لا تحملها على المحبة، وإنما المحبة ثمرة الرحمة. ومن هنا لم يكن دعاء أهل تبوك لأميرهم في مرضه، ولا اغتباطهم بسلامته، طارئًا تمليه الساعة، بل كان ثمرة مودة استقرت جذورها في الزمن؛ وهو المعنى الذي أشار إليه النبي ﷺ بقوله: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم». فما أجلها من منزلة حين يصبح الدعاء أوثق عرى الولاية، وتغدو المحبة المتبادلة أبلغ شهادة من كل وسام.
ثم جاءت كلمته الجامعة: «أعشقكم»، فخرجت من القلب فدخلت القلوب؛ لأن الصدق إذا تجرد من التكلف استغنى عن الإطناب، وصارت الكلمة الواحدة تعدل خطبًا طوالًا. وقد قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر». وليس الصدق زينة اللفظ، بل روح المعنى، فإذا حل في الكلام اكتسى من الحياة ما تعجز عنه البلاغة المصنوعة.
وما الولاية في حقيقتها إلا أمانة يحملها صاحبها قبل أن يحمل شرفها، وقد قال ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته». فمن جعل جاهه كفاية للضعيف، وسلطانه معبرًا إلى مصالح الناس، واستبدل بالعنف رفقًا، كان أهلًا لدعوة النبي ﷺ: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به»؛ إذ الرفق هو الخلق الذي تتجلى فيه إنسانية السلطة.
ولم يكن وفاء أهل تبوك إلا وفاءً للمعروف؛ فإن النفوس الكريمة لا تجحد الجميل، وقد قال ﷺ: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». فالاعتراف بالإحسان ليس مديحًا للأشخاص، وإنما هو وفاء للقيم التي أقامت العمران، وحفظت أواصر المجتمع. وهكذا يبقى الرجل بأثره لا بعمره؛ لأن الأعمار تنقضي، وأما الآثار فتمضي في الناس بعد أصحابها، كما قال سبحانه: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. وذلك هو الخلود الذي سأل إبراهيم عليه السلام ربه إذ قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾؛ فلا يبقى من الإنسان إلا ما أبقته المكارم، ولا يخلد منه إلا ما حفظته القلوب. وهكذا عاد الأمير فهد بن سلطان إلى تبوك، فعادت معه سكينة الألفة، واطمئنان الذاكرة، وعلم الناس أن أجلَّ ما يملكه المرء ليس ما استقر في يده، وإنما ما استقر له في أفئدة الناس؛ فإن السلطان إلى أفول، والمال إلى نفاد، وأما المعروف فباقٍ ما بقيت القلوب تذكر، والألسنة تدعو، والله يكتب لعباده آثار ما أحسنوا.
كتبه/فائز بن سلمان الحمدي

اترك تعليقاً