حين تتحول الكاميرا إلى اعتداء على خصوصية الآخرين
لم تعد الهواتف الذكية مجرد وسيلة للتواصل أو جهازا لحفظ الصور والذكريات بل أصبحت في يد البعض وسيلة لاقتحام خصوصيات الآخرين وتحويل حياتهم ومواقفهم ومجالسهم إلى مادة مفتوحة للنشر والتداول وكأن امتلاك الهاتف يمنح صاحبه الحق في تصوير من حوله دون استئذان أو مراعاة لمشاعرهم ورغباتهم
إن ما نشهده اليوم من انتشار التصوير العشوائي في المناسبات والمجالس والأماكن العامة والخاصة تجاوز حدود العفوية وأصبح في بعض صوره سلوكا مرفوضا يمس خصوصية الإنسان وكرامته فهناك من يرفع هاتفه فجأة ليوثق وجوه الحاضرين أو تفاصيل مجالسهم أو أحاديثهم ثم ينشرها في منصات التواصل الاجتماعي دون أن يسأل أصحابها إن كانوا يرغبون في الظهور أو يسمحون بنشر صورهم وكأن الإنسان أصبح جزءا من المشهد الذي يحق لأي شخص أن يوثقه متى شاء
والأكثر إزعاجا أن البعض لا يكتفي بالتصوير العابر بل يتعمد إقحام الآخرين في مقاطعه بحثا عن المشاهدات أو التفاعل فيلاحق كبار السن بالتصوير ويضع المسؤولين والوجهاء أمام الكاميرا دون مراعاة لظروفهم أو رغبتهم في الظهور وربما وجد بعضهم نفسه مضطرا إلى مجاملة المصور رغم عدم رغبته في ذلك وهنا يتحول الأمر من موقف اجتماعي عابر إلى تعد واضح على حق الإنسان في أن يقرر بنفسه متى وأين وكيف يظهر للآخرين
إن الاستئذان قبل التصوير ليس ترفا اجتماعيا ولا مجاملة يمكن تجاوزها بل هو سلوك حضاري يعكس احترام الإنسان للإنسان فكما أن من حق الشخص أن يوثق مناسباته وذكرياته فمن حق الآخرين أيضا أن يرفضوا أن تكون صورهم أو أصواتهم أو مواقفهم جزءا من ذلك التوثيق ومن حق الإنسان أن يحتفظ بمساحته الخاصة بعيدا عن عدسات الآخرين
والأشد خطورة أن بعض مستخدمي منصات التواصل أصبحوا ينظرون إلى المشاهدات والإعجابات وكأنها غاية تبرر الوسيلة فيندفعون إلى تصوير المواقف الإنسانية والمحرجة والمفاجئة وأحيانا الخاصة دون التفكير في الأثر الذي قد يتركه النشر على الأشخاص الذين ظهروا في تلك المقاطع وربما بقيت صورة أو مقطع قصير متداولا سنوات طويلة بينما ينتهي الموقف الذي التقط فيه خلال دقائق
لقد أصبحت الكاميرا اليوم شديدة الحضور في حياتنا حتى إن الإنسان قد يجد نفسه مطالبا بأن ينتبه إلى هاتف يوجه نحوه في أي مكان وفي أي مناسبة وهذا يفرض على المجتمع قدرا أكبر من الوعي بأن التقنية مهما تطورت لا تمنح صاحبها حق تجاوز الآخرين وأن سهولة التصوير والنشر لا تعني حرية مطلقة في انتهاك الخصوصية
وفي المملكة العربية السعودية هناك أنظمة وتشريعات تحمي خصوصية الأفراد وتجرم صورا من إساءة استخدام وسائل التقنية والنشر ولذلك فإن احترام النظام يجب أن يسير جنبا إلى جنب مع احترام القيم الاجتماعية التي تربينا عليها فليس كل ما يمكن تصويره يجوز تصويره وليس كل ما يمكن نشره يجوز نشره وليس كل لحظة يعيشها الإنسان تصلح لأن تتحول إلى محتوى متداول
إن المجتمع الذي يحترم خصوصية أفراده هو مجتمع يحترم الإنسان نفسه ومن هنا فإن الحاجة أصبحت أكبر إلى ترسيخ ثقافة الاستئذان قبل التصوير وتعزيز الوعي بمخاطر النشر العشوائي والتأكيد على أن الكرامة الإنسانية ليست مادة للترفيه وأن كبار السن والمرضى والضيوف والمسؤولين وسائر أفراد المجتمع لهم الحق الكامل في تحديد ما يريدون أن يظهر للآخرين وما يريدون أن يبقى بعيدا عن العدسات والمنصات
ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل من يحمل هاتفا بكاميرا أن وجود الكاميرا لا يعني وجوب استخدامها وأن الحصول على لقطة مثيرة لا يساوي شيئا إذا كان ثمنها إحراج إنسان أو انتهاك خصوصيته وأن البحث عن المشاهدات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتعدي على الآخرين
فالتقنية بلا أخلاق قد تتحول إلى أداة أذى والعدسة بلا استئذان قد تتحول من وسيلة لتوثيق الذكريات إلى وسيلة لاقتحام الحياة الخاصة والوعي الحقيقي ليس في أن تعرف كيف تصور وتنشر فقط بل في أن تعرف متى تمتنع عن التصوير ومتى تغلق الكاميرا وتحترم الإنسان الذي يقف أمامها
إن احترام الخصوصية ليس تراجعا عن العصر ولا رفضا للتقنية بل هو الوجه الحضاري لاستخدامها فكلما ازدادت قدرتنا على التصوير والنشر ازدادت مسؤوليتنا عن احترام الآخرين وأصبح من الضروري أن نضع لأنفسنا قبل أي نظام رقابي قاعدة أخلاقية واضحة مفادها أن ما لا نرضاه لأنفسنا لا ينبغي أن نفرضه على غيرنا وأن كرامة الإنسان تظل أهم من صورة وأبقى من مقطع وأسمى من ملايين المشاهدات .

