” القسوة “
من عانى القسوة واشتكى منها ، سيشعر حتماً بمعنى الحنان … .
ومن صان نفسه ، ولم يطعها ، سيصل دوماً لبر الأمان … .
ومن ظنَّ بأن القوة في القسوة ، فقد حاد عن الصواب ، وخرج عن كونه إنسان … .
وإن كانت القوة ستمنحنا السُّلطة والمنعة …
فإن القسوة ستحرمنا الصحبة والمتعة …. .
فليس هناك من يصاحب قاسي القلب عديم الرحمة … .
وأخطأ من ظنَّ أن الشجاعة مقترنة بها وأن بينهما لُحمة … .
فكم من قوي في بنيته ، كان أرحم من الأب بابنته … .
وكم من شجاع في هيئته ، لان في داخله ، وأصلح نيّته … .
فالقسوة تميت القلب ، والرحمة تنير الدرب ، وترضي الرب ، وتنشر الحُب .
فمن لا يرحم الناس لا يرحمه الله … .
وأنا إذ عانيت كثيراً من القسوة في صغري ، ولم تفارقني في كبري … .
أصبحت لذلك أراجع أمري ، ولا أقسو على غيري … .
يكفينا قسوة حياة ، وقسوة عادات ، وقسوة ظروف ، وقسوة حماية يغلفها طابع الخوف .
من أعذار لا أساس لها ، وأسباب لا أعقلها ، ونوائب وصروف … .
قسوة أنشأتنا نخاف ظلَّنا ، وجفوة جعلتنا لفترة لا نغادر محلَنا ، وسطوة أجبرتنا على الرضى بذُلِّنا .. .
عودتني على السكوت ، فلم يعد لساني ينطق … .
حتى كبرت وتغذيت من قسوتها ، وتشبعت من ظلمها … .
وتعودت على الحرمان من الحنان ، فلم تعد تفرق معي ، مالي بها وما لها … .
لن أستغرب من نفسي إن قسوت على من أحب … .
ولن أنكر على نفسي إن تماديت في ظلمي ولم أجب … .
ولن أشعر بالأسى إن أخطأت مع غيري ولم أُصِب … .
فهذه نتيجة حياتي ، وتلك الصفات هي مكتسباتي … .
فأنا ثمرة القسوة … .
وعلى القسوة نشأت … .
فإن لازمتني ، وهذا طبيعي ، فلأنها كانت غذائي من الصغر ،” ومن شبَّ على شيء شاب عليه “… .
وإن فارقتني ، وها غريب ، فلأن الله أراد لي خيراً ، فأمر وأمر الله نافذ ، ولا يصعب شيء عليه … .
ولأن النتائج مرهونة بالمعطيات ، والنهايات متلائمة مع البدايات … .
كانت الاختلافات … .
فمن زرعني شوكاً ، فليحصد زرعه … .
ومن سقاني مراً ، فليروي ظمأه … .
ومن رعاني حباً ، فليأخذ أجره … .
ومن قسَّاني قلباً ، فليُلن قلبه … .
ومن أنساني ذكراً ، فليذكر ربه … .
ومن لامني جهلاً ، فليسأل نفسه … .









