عرفات.. حيث تلتف الأيادي العاملة حول الأيادي المرفوعة

في يوم فريد من نوعه، تشرق شمس عرفات لتضيء مشهدًا مهيبًا يجسد أقصى درجات التجرد والإنابة.. هنا، يقف الحاج متجردًا من كل حطام الدنيا، متلفعًا بعباءة الرجاء، يصدح بالتلبية، وتخشع روحه بالدعاء، معلقًا آماله بين تراب الأرض وفسيح السماء.
تتسابق العيون بالبكاء وتتعالى القلوب بالدعاء، ليُسجل التاريخ واحدة من أروع لوحات الإيمان على الأرض، وتحفظها ذاكرة السماء.
لكن خلف هذا المشهد الروحي العميق، يتجلى مشهد آخر لا يقل إجلالًا وعظمة: مشهد الخدمة المتفانية.
رجال ونساء، يرتدون زيًا موحدًا يرمز لا لمجرد شكل، بل لرسالة نبيلة، ينتشرون في المكان كشرايين حياة. مهمتهم أن يسقوا العطشى، ويسعفوا المتعبين، وينظموا الحشود، ويمنحوا البسمة رغم الإرهاق، ويصبروا على قيظ الشمس وحرارة الموقف.
يبدو وكأنهم يؤدون مناسك خاصة بهم؛ لا يحملون محرمًا، بل يحملون نبل المهمة، ولا يطوفون بالكعبة، بل يطوفون بخدمة ضيوف الرحمن.
هؤلاء هم حجاج من نوع آخر… حجهم هو العطاء بلا حدود، ومناسكهم تبدأ مع أولى خيوط فجر التاسع من ذي الحجة، ولا تتوقف إلا بانصراف آخر حاج.
في كل زاوية من هذا الصعيد المقدس، تُروى قصة إنسانية بصمت: مسعف يعيد الأمل في لحظة حرجة، جندي يهدي ابتسامته لحاج تائه، متطوعة تمسح جبين مسنّ أنهكه الطريق.
هذه المشاهد تتكرر كل عام، لكنها لا تفقد روعتها، فكل واحدة منها تحمل في جوهرها رسالة من الرحمة والإخلاص النقي.
هنا، ندرك أن نجاح موسم الحج لا يُقاس فقط بعدد الحجاج الذين يؤدون مناسكهم بسلام، بل بمنظومة متكاملة تعمل خلف الكواليس، تنسج هذا النجاح بخيوط من التعب، والتخطيط الدقيق، والتفاني اللامحدود.
إنها قصة وطن وضع على عاتقه خدمة ضيوف الرحمن، لا باعتبارها مجرد مسؤولية تقتضيها المكانة، بل شرفًا عظيمًا تتوارثه الأجيال وتتفانى في حمله عامًا بعد عام، مؤكدة بذلك مكانة المملكة العربية السعودية كقلب نابض يلبي نداء كل من قصد بيت الله الحرام.
كل قطاع يعمل بتناغم لا مثيل له:
– الهلال الأحمر يسابق نبض القلوب، ليُعيد الحياة قبل أن تخفت.
– وزارة الصحة تُظلل الأجساد المنهكة برعاية لا تنام، وتوفير أقصى درجات العناية.
– القوات الأمنية تحرس الزمان والمكان، لا لتنام بل لتؤمّن دعاء الملايين وسلامتهم.
في عرفات، الخدمة تتجاوز كونها واجبًا وظيفيًا؛ إنها عقيدة راسخة تُمارس بشغف.
شعار “خدمة الحرمين الشريفين” لا يُرفع هنا كشعار للعلاقات العامة، بل يُترجم إلى سلوك ملموس على الأرض، يُختبر في هذا اليوم العظيم، ويُثبت صدقه حين تكون الأنفاس على المحك، والجهود في ذروتها.
قد لا يسمع أولئك الجنود المجهولون دعوات الحجاج وهم يلهجون بها لهم، لكن الله يسمع، وعرفات يشهد على هذا العطاء الذي لا ينضب.




