ما أمتع الليل حين يهبط برفقٍ على قلبي، كأنّه يأتي ليضمّ ما تبعثر في النهار. أشعر به يقترب منّي كصديقٍ يعرفني دون أن أسأله، يمرّ على وجعي بحنانٍ صامت، ويهمس لي أن التعب ليس نهاية، بل بداية لشيء أعمق من الراحة.
ما الأقمارُ إلا أنوثةُ السماء حين تشتاق، تبتسم بخجلٍ خلف الغيم، وتمنحني ضوءًا يشبه العناق. أراها فأهدأ، كأنّ بيني وبينها عهدًا خفيًا: أن نضيء رغم الكسوف، وأن نظلّ جميلاتٍ حتى في نقصاننا.
وما السهرُ إلا مرآة القلب حين يفيض، حين تعجز اللغة عن حمل ما أشعر به. أسهر لأنّ النوم يسرقني منّي، لأنّ قلبي يحب أن يبقى يقظًا في وجه الغياب. هناك، بين الثانية والثالثة بعد منتصف الليل، يصبح الكون أصدق، ويهمس لي الحبّ بما لا يقوله في وضح النهار.
أما النجوم، فهي نثرات الحنين، رسائل صغيرة تكتبها السماء لمن ينتظر. أرفع عيني إليها فأراها تومض كما لو أنّها تردّ على قلبي، تخبره أن الانتظار ليس عبثًا، وأن الفجر لا يخون من أحبّ الليل بصدق.
يا ليل، كم فيك من دفءٍ خفيّ!
تجمعني بأفكاري، تفتح لي نوافذ الذاكرة، وتعيدني إلى تلك اللحظات التي لم تكتمل، لكنها بقيت تلمع في داخلي مثل نجمةٍ عنيدة لا تنطفئ .


اترك تعليقاً